هذه الآيات تحثك على الدعوة ولا تصدك
هذه الآيات تحثك على الدعوة ولا تصدك
قال تعالى: {إن الذين كفروا سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون (6) ختم الله على قلوبهم وعلى سمعهم وعلى أبصارهم غشاوة ولهم عذاب عظيم (7)}
هاتان الآيتان من نظر فيهما نظراً أولياً ربما استفاد منهما ترك دعوة المشركين وإنذارهم، إذ لا فائدة من ذلك، غير أن حال النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه يخالف هذا الفهم.
فما الفهم السليم للآيات؟
في الواقع مَن سبر أحوال الناس وفَهِمها تمام الفهم وجد أن كثيراً ممن فقدوا الحماس للدعوة لم يفهموا ما تُرشِد إليه هذه الآيات.
أكثر الناس كسلاً عن دعوة الآخرين في زماننا هم القوم الذين يعتقدون غموض الحق، وأن مجرد اختلاف الناس يدل على أن الحق ليس واضحاً، ويُغفِلون وجود العناد والتقليد لمن ليس أهلاً، وانعدام التوفيق الإلهي، والتقصير في طلب الحق، وغيرها من المعاني التي هي أسباب لوقوع أهل الباطل في الضلال، ولا عذر لهم البتة في ذلك.
فكم مِن شخص غفل عن وجود العناد فدعا واحداً واثنين وثلاثة من المعاندين ثم يأس، ولو استمر بدعوته لوجد مَن ينصف، ولكنه سمح لهؤلاء المعاندين أن يقنعوه بأن الحق خفي بما أنهم خالفوا، فأحسن الظن بهم وأساء الظن بما بين يديه من البيِّنات على وضوحها.
واليوم عامة ثقافة ما بعد الحداثة تدفع في هذا الاتجاه.
ومِن أكسل الناس أيضاً مَن يظن أن عامة المخالفين معذورين ولن يصيبهم عذابٌ بضلالهم، وربما لو دعاهم لَضرَّهم في دينهم ودنياهم.
فالآية الأولى فيها التنبيه على وجود المعاندين ممن لا ينفعهم إنذار، ولكن قد تتغير الظروف فيقعوا تحت قهر المسلمين فيذهب ما في قلوبهم مِن شر فتدركهم الرحمة.
وأن وجود هؤلاء المعاندين لا يجعلنا نيأس من دعوة غيرهم.
والآية الثانية فيها التنبيه على أن مِن الناس مَن ضلالُه بسبب الختم على قلبه، ولو شاء الله لهداه، وأنه مع هذا الختم الذي يمنعه من الفهم ليس معذوراً بل الله الحكيم ما ختم على قلبه إلا ولأنه يعلم سبحانه أنه لا خير فيه {لو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم}.
ودليل أن ذلك ليس عذراً قوله {ولهم عذاب عظيم}.
ومن الناس من يعقل عدم عذر الكفار الأصليين من غير أهل الفترة (الذين يُمتحنون وليسوا ناجين بشكل قطعي)، ولكنه إن جاء إلى أهل الملة وجدتَه يعتبر كل خلاف واقع بينهم من جنس الخلاف السائغ أو الهين أو الذي لا كفر فيه.
حتى لو أن السلف ضلَّلوا وكفَّروا ودلت النصوص على ذلك، فهو لا يعقِل أن فلاناً الذي يشهد أن لا إله إلا الله أو له سبب في العلم سيكون معانداً أو مقصِّراً في طلب الحق، أو مقلِّداً تقليداً لا يُعذَر فيه لتوفر أسباب العلم فيه.
ولو أساء الظن به وحسَّن الظن بالبيِّنات وبِكون السلف لا يُطلِقون الألفاظ الغليظة في أمرٍ هين وخفي يتوارد عليه كثيرون على مدى قرون وكلهم معذور، لو قلب الأمر وحسَّن الظن بالبينات وأساء الظن بالبشر أو حتى توقَّف لكان خيراً له.
ولهذا جاءت آيات المنافقين بعد هذه الآيات للتنبيه على عدم الاغترار بالانتساب المجرد للملة مع وجود ما ينقُض ذلك.
نعم هناك مسائل ظاهرة قد تخفى على بعض الأفراد في ظروف معينة، هذا أمر لا مشكلة فيه، ولكن جعل هذا الأصل المطلق في جميع الناس تحت كل الظروف إلا ما ندر هذا هو محلُّ الإشكال العظيم.