لقد صار من المألوف جداً أنه إذا أراد أحدهم أن يُبرز عمقه الفكري وترفعه عن السفاس
لقد صار من المألوف جداً أنه إذا أراد أحدهم أن يُبرز عمقه الفكري وترفعه عن السفاسف والقشور أنه يقوم بالسخرية من عناية بعض التيارات بأمر اللحية والنقاب
وأن هذه قشور وأن التشديد فيها علامة على ضيق العطن والسطحية وقد آن الأوان أن نعرف من هو السطحي حقا ومن هو ضيق العطن قصير النظر
الملفت للنظر أن حرص بعض الناس عندهم على إطلاق اللحية لإعطاء دلالات متعلقة بمحبة السنة أو الحرص عليها يعتبر قشورا بيد أن حرص المقابلين على حلقها كل صباح لإعطاء دلالات على ما يسمونه نظافة أو انضباطا ليس قشورا عندهم ! فإذا كان إطلاقها والحرص على ذلك قشورا فحلقها والحرص على ذلك حتى يصير إطلاقها علامة على الحزن ينبغي أن يكون قشوراً أيضا فلماذا التذمر من أمر السنة دون غيره ؟
وإذا كان الأمر قشورا لماذا صار من علامات الانتقال من التشدد إلى الاعتدال عند كثيرين أن يظهر ذلك على لحاهم ؟!
في الواقع الحملة التي يشنها العالمانيون منذ زمن على مظاهر الاعتناء بالسنن الظاهرة علما أنها لا تضرهم بشيء وهم يزعمون أن مشكلتهم مع ما يضر من التدين ناشئة عن تقليدهم للغرب أو فهمهم للفلسفة التي قام عليها هذا الحرص على الشكل الموحد للإنسان الحديث
الدولة العالمانية الحديثة تحرص على أن تكون مظاهر التدين شأنا شخصيا وأن يفقد المرء كل اعتزاز بخصوصيته الدينية فإن ذلك يهدد ولاءه التام لمنظومة الدولة الحديثة
لهذا نجد في بعض العالمانيات هناك مشكلة مع الحجاب لأنهم يعتبرونه رمزا دينيا وهذا يعني وجود اعتزاز بالعقيدة الدينية واستحضار لها مما يهدد الولاء وإن شئت فقل العبودية لمنظومة الدولة الحديثة ( ومن يتسامح مع ذلك يراه داخلا في الشأن الشخصي الذي لا يضر هذا الولاء )
ولهذا تجد الصين تفعل ما تفعل مع الإيغور وتقصد إلى كل مظاهر خصوصيتهم الثقافية ويهدمونها لتخلوا قلوبهم للعبودية للدولة ولا يعارضها عندهم معارض
والدول الحديثة على مذاهب في التعامل مع ( الأبويات ) أو ( العقائد المتعالية ) التي يمكن أن تزاحم هيبة الدولة في القلوب فمنهم من يقرر ألا يصطدم معها بالقوة حتى لا يقع التوحش والتطرف ولكنه يقرر أن يدعم قراءات حداثية للنصوص الدينية تسير في فلك ما تريد منظومة الدولة الحديثة ومنهم من يصطدم ومنهم من يخوض حربا بطيئة وتدريجية وأمضى الأسلحة عندهم إظهار التدين على أنه مؤامرة من رجال الدين للسيطرة على الناس ( رمتني بدائها وانسلت )
لا يمكن قراءة البحث الفقهي في بعض المسائل بدون استحضار هذا القالب الذي تجري فيه الأمور ولذلك تجدك إذا عملت في بعض مؤسسات الدولة يفرض عليك هيئة معينة فلسفة هذه الهيئة في الغالب تشبه حكمة الإحرام في الحج إظهار التساوي والخضوع لسلطة عليا وقد يكون هناك مقاصد تنظيمية أخرى معقولة
والأبحاث الفقهية المتأثرة بالإرهاب الحداثي ليس بابها أن هذا ليس واجبا بل هو مستحب فكثير من المستحبات يداوم عليها الناس مثل الأذكار بعد الصلاة وكثير من الأمور المختلف في وجوبها على الأعيان تجد الناس يحرصون عليها مثل صلاة العيدين غير أن هذه الأمور من السنن الظاهرة المتعارضة مع الثقافة الحداثية الحديث عنها ليس حديثا عن مستحبات بل هو حديث عن أمور مستمرة محروص على تركها حتى أن بعضهم برر حرصه على تركها بأنه لا يريد أن يتشبه بالإرهابيين ! فهرب إلى التشبه بالعالمانيين ! علما أن من تسميه إرهابيا لن يظهر نفسه بل سيستخدم التمويه واظهار التشبه بالفساق أو إظهار الهيئة الحداثية لكي لا يعرف وماذا لو صارت علامته عند الجهات الأمنية الصلاة في المسجد هل ستترك ؟
والحرص الجمعي من بعض التيارات المنتسبة للدعوة أو الإصلاح على ترك بعض السنن الظاهرة واضح أنه ليس ناشئا عن مجرد ترجيح فقهي بل له مقدمته الفكرية ولهذا تجدهم في معظم أحوالهم يؤثرون التشبه بالتيارات العالمانية المعتدلة على التشبه بالتيارات السلفية مع محاولة ربط هذه المظاهر بالتشدد الذي هم منه برآء
وهذا الحرص منهم سهل على الأعداء المشتركين استهداف هذه التيارات السلفية فالتضييق على المنتقبات في عدد من البلدان إنما سهل لأنهن لسن غالبية بيد أنه بعض بلدان الخليج لما كان النقاب منتشرا عرفا أو عبادة كان من الصعب تفعيل قانون منع المنتقبة من قيادة السيارة ( مع غض النظر عن أصل البحث في قيادة المرأة للسيارة ) وكذلك في أفغانستان الاستدلال على المتدين من لحيته صعب لأن أمر اللحية منتشر فيهم
ولا تستهن أبدا بدلالة الظواهر على البواطن أو على الخصوصية الثقافية خذ مثلا أمر الأسماء تجد الشيعة يحرصون على أسماء تدل على اعتزازهم بانتمائهم المذهبي مثل اسم سجاد ومرتضى وغيرها وكذلك النصارى يفعلون الأمر نفسه مع كون المرء قد يترك الدين أو المذهب ويبقى محتفظا باسمه القديم ولكن لا أحد ينكر دلالة هذا الأمر في كثير من الأحيان على تحديد الحالة الدينية للشخص
=
فالبحث ليس في شعرات تنبت في الذقن بقدر ما هو حرص على قتل الاعتزاز بالهوية والافتخار بهذا الانتماء عن طريق إظهار علاماته على صفحة وجهك ، وقد يقول قائل الكفار منهم من يطلق لحيته فيقال نعم يوجد هذا وغالبهم لا يفعل ذلك إلا تدينا وإظهارا للاعتزاز بقيمة دينية ثم الجمع بين إطلاق اللحية وقص الشارب أو حفه هيئة إسلامية محضة
وقد سمعت قديما كلمة لبعض عتاة الملاحدة يقول فيها أريد أن يكون التدين مثل العادة السرية وأحسب أن هذا حلم الكثيرين من العالمانيين في بلداننا لهذا يغيضهم ظهوره في الحياة اليومية وفِي مؤسسات الدولة ولو على هيئة تصرفات شخصية من بعض الأفراد دون نكير وكثير منا يتأثر بإرهابهم الذي يبثونه من خلال وسائل الإعلام وتحت هذا الاضطراب والوهن تدبج الأبحاث المهترئة
حتى أن أحدهم صار يشكك ببعض الإجماعات بحجة أنها ظنية ثم يستدل بالمصلحة وظنية المصلحة أعظم من ظنية الاجماع بلا نزاع
وإذا وجدت عالما ينص على كراهة شيء ثم وجدت علماء مذهبه يختلفون هل هو يريد الكراهة التنزيهية أو التحريمية فحملها على التحريمية هو الأحوط خصوصا اذا كان هذا هو قول بقية المذاهب لأن الأصل في كلام العلماء الوفاق وذلك أن الخلاف لو وجد لنقل لنا بينهم مناقشات ومحاورات في ذلك
الذين يقولون "طوفوا ببطون الفقراء ولا تطوفوا بالكعبة"
غلبتهم البهيمية فلَم يعقلوا من الافتقار إلا معنى واحداً يشترك به الإنسان مع البهائم المعجمة وهو افتقار البدن للغذاء والدواء في حال المرض، والافتقار للمأوى وللنظير من نفس الجنس للتكاثر وفي بني آدم كلما كان المرء أقل مالاً كلما كان حظه من هذه أقل في الغالب
غير أن هناك افتقاراً آخر يعقله كل متأله ألا وهو الافتقار إلى عفو الله عز وجل بعد السرف على النفس في الخطايا
والافتقار إلى لمِّ شتات القلب بعدما فرقته الدنيا كل مفرِّق
وقد جعل الله تلك المناسك قُربة له وتكفيراً للخطايا ولمًّا لشتات القلوب وتذكيرًا بالغاية الكبرى مِن الخلق وتصغيراً للدنيا في القلوب
والحاجة والافتقار إلى هذه المعاني أعظمُ بكثيرٍ من الافتقار إلى المأكل والمشرب والمنكح بل كل ذلك لا صلاح له ولا معنى أصلًا إلا بسدِّ الافتقار في تلك المعاني العظيمة.