نقض عوامل التأثر بالباطل في آية
نقض عوامل التأثر بالباطل في آية
للباطل زخرف هو من ضمن الامتحان، وليهتدي المرء بالوحي لكشف هذا الزخرف، وليجتهد أهل العلم في ذلك متبعين للوحي فتعلو درجاتهم، ويحصل لهم من مقاومة الباطل واللذات العلمية التي يجدونها ما يجمع لهم شعبة من نعيم الدنيا مع نعيم الآخرة إن صحت نواياهم.
ويحصل لهم من مكابدة الباطل ما هو من جنس مكابدة المقاتلين لأعدائهم في ساحة القتال، حيث يحتاج المرء إلى شجاعة وإيمان وعقل وصبر حتى يحقق النصر.
الباطل يفشو في الناس لعدة عوامل:
الأول: الانتساب لمعظّم، كما ينتسب النصارى للمسيح، وينتسب الشيعة لأهل البيت، وينتسب جماعة من الصوفية لقوم من الصالحين، ويتغنون بما لهم من الفضائل المتفق عليها ثم يدخلون مع هذه الفضائل شركاً وزندقة، ويجمعون الباب في قلوب العامة، بحيث أنك لا تظهر المحبة أو التعظيم لهؤلاء إلا بقبول ما أتوك به من البلاء.
الثاني: علوم أهل الباطل، فكما أن لأهل الحق علوماً فلأهل الباطل علوم يقبلون عليها، لأنها تحقق لهم نفعاً أو رفعة على الخلق وإن كانت زائفة.
كأمر السحر، وعلوم اليونان الفلسفية، والنظريات العلموية، والفلسفات الحقوقية الحديثة، ويدخل في ذلك ما أحدث في ديننا في التصوف والرأي المحدث مما اشتبه بأهل الزهد والفقه السليم.
وهذا إبطاله في التدبر لمآله، وأنها لا علاقة لها بالآخرة، وأنها تؤدي لافتراق وشتات، والبلاء الحقوقي اليوم سمته هدم الأسرة.
الثالث: سطوة أهل الباطل، وتحقق دنيا بأيديهم، أو الخوف من إضرارهم.
وهذا علاجه بتذكر الآخرة وأن الأمر كله بيد الله، فلا ينفعون ولا يضرون إلا بإذن الله، وأنهم في الواقع لا يحققون ما في أنفسهم بل لو أنصفوا لوجدوا الخير كله في الوحي.
قال تعالى: {واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وما كفر سليمان ولكن الشياطين كفروا يعلمون الناس السحر وما أنزل على الملكين ببابل هاروت وماروت وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما نحن فتنة فلا تكفر فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم ولقد علموا لمن اشتراه ما له في الآخرة من خلاق ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون} [البقرة].
فتأمل هذه الآية ودلالتها على المعاني التي شرحت لك.
فالشياطين انتسبت لسليمان، فجاء إبطال أن سليمان له علاقة بذلك، وإنما يذكر اسمه افتراءً عليه، وهكذا انتساب أهل الباطل للمعظمين مع مخالفتهم لهم، حتى أنك تجد من ينتسب للسلف ويظهر تعظيمهم بالجملة ثم ينفر من النظر في تصانيفهم، وهذا من جنس أهل الأهواء الذين تجدهم يعظمون أئمة المذاهب وقدماء الزهاد ومتقدمي المتكلمين وعلماء الحديث أو أهل البيت ثم هم على غير اعتقادهم، ومن اعتقد اعتقادهم عادوه، وهذا كشأن النصارى يعبدون المسيح ومن دعاهم إلى دين المسيح الحق عادوه.
ثم ذكر العلم الضار، وهو علم السحر ومثله كل علم يضر المرء في آخرته، وإن حقق له منفعة دنيوية حاضرة، والسحر مبني على قلب الحقائق ولهذا ورد في الحديث: «إن من البيان لسحراً».
وكذلك علوم أهل الباطل التي يسمونها عقليات وهي جهليات، وكذلك فروع الرأي المحدث من تتبع الرخص والحيل ومعارضة السنن، أهلها يقلبون الحق باطلاً والباطل حقاً، وربما نالوا بذلك دنيا ولكن ما لهم في الآخرة من خلاق.
وقوله : {وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله} فيه ألا يضطرب قلب المؤمن إن رأى دنيا بيدهم أو أصابوه بضرر، فذلك بإذن الله اختباراً وما هو بدائم، ومن فطن لهذا عصمه الله من كل فتنة من فتنة الدجال فنازلاً.
وقوله: {ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم} لأن كل منفعة يطلبها أهل الباطل في العلوم الفاسدة من يقين أو لذات دنيوية كان من رحمة الله أنهم يحصل لهم عكس مقصودهم تنبيها.
ألا ترى إلى الغربيين لما ركنوا إلى الدنيا كل الركون فشا فيهم الاكتئاب والانتحار، وحاربوا الفطرة واحتاروا في كل المعارف، فتراهم أحذق الناس في الصناعات ثم يتشككون في البديهيات؟!
وفي الآية بيان سبب تسليح أهل الباطل بهذا والحكمة من ذلك {إنما نحن فتنة فلا تكفر}، فذلك امتحان يكشف به أهل الباطل، ويظهر فيه أهل الإيمان يميز الله به الخبيث من الطيب.
وقوله: {فيتعلمون منهما ما يفرقون به بين المرء وزوجه} أكثر ما تلجأ النساء للسحر لجلب قلوب الأزواج، فجاء التنبيه أن السحر إنما يحصل به عكس المقصود، كمن يزعم أنه يحصل اليقين من خلال المنطق اليوناني، أو يفهم الكون من خلال النهج العلموي، أو يفهم الفقه من خلال البعد عن الكتاب والسنة والإقبال على الرأي المحدث (فترى هذا الضرب فقههم أصعب الفقه وأقلهم نفعاً للناس في الفتيا).
وكما زعم الغربيون أنهم سيوجدون فردوساً أرضياً بفلسفتهم، فما كان منهم إلا أن دفنوا الأسرة والفطرة حتى صنف من صنف كتاب (موت الغرب).