كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

مواقف الناس من التكفير والتضليل العقائدي في هذا الزمان.

المصدر
مواقف الناس من التكفير والتضليل العقائدي في هذا الزمان. معلوم أن زماننا سادت فيه العلمنة ومركزية الإنسان وأصل العالمانية في اعتبار التمييز على أساس الدين تمييزًا مرفوضًا، إما لهامشية القضية الدينية أو عدم صحتها (وهذا يساوي الكفر أو الإلحاد)، غير أن العالمانية لا تأتيك بصراحة وإنما تحت شعارات برَّاقة، ولطغيان خطابها بين الناس صار كثير من المنتسبين لملة الإسلام ينظرون للقضايا الدينية على قسمين: قسم متعلق بمنظومة الأهداف المتعلقة بهذه الدنيا، مثل الحفاظ على الأعراض والدماء والأموال ومطلق الحقوق والهُوية العامة التي تجمع الأمة، وقسم نظري عقائدي لا يَرَوْن له متعلقًا واضحًا بتلك القضايا، مثل قضايا الصفات والقدر والإيمان والتفضيل بين الصحابة وغيرها مما اختَلف فيه أهل الحديث مع أهل الكلام والشيعة والفلاسفة وغيرهم (وهذه الأقسام وإن كانت لها آثار على القلب والتصور العام للدنيا ولكن هذا مما لا تعقله العالمانية ولا يعقله المتأثرون بها). القسم النظري العقائدي اختَلف الناس فيه على عدة أقسام: القسم الأول: من يرى وجوب اطِّراح هذه القضايا بالكلية والانشغال بالقضايا ذات البعد السياسي والاجتماعي والاقتصادي (الدنيوي ككل)، وأن مجرد بحث هذه القضايا مما يعطِّل الأمة. وهذا الضرب يرفض وجود "فرقة ناجية" و "طائفة منصورة" وفقًا لعقيدتها، ولا يحب التحذيرَ من البدع وذكرَ حديث "كل بدعة ضلالة" حتى لا يدخل في ذلك البدع العقائدية ويؤدي النقاش فيها لتعطيل النقاش في القضايا ذات المتعلق الدنيوي. القسم الثاني: من لا يُمانع البحث العقائدي بصفته تُراثًا للأمة لا يمكن إهماله، ولكن يُنزله منزلةَ الخلاف الفقهي المعتبر الذي لا يُفسد للود قضية. أكثرهم يستثني الباطنية لأنهم لا يطبقون أدنى قدرٍ من الإسلام، وبعضهم يستثني الشيعة الإمامية لأن لهم مشروعًا سياسيًّا مغايرًا أو لمخالفتهم الفاحشة، ولكن إذا جاء الحديث عن الأشاعرة والماتردية والإباضية والزيدية يخفُّ الخطاب جدًّا، وصرَّح بعضهم أن الخلاف بين أهل الحديث والماتردية والأشعرية كالخلاف بين المذاهب الفقهية، وهذه مكابرة لكل تاريخ الصراع بين هذه الفرق، ولكن صاحبنا له مشروعه الذي يريد أن يمضي ولو على حساب المكابرات والتغرير بالعامة. القسم الثالث: من يبحث في العقيدة ولا يُمانع الحكمَ بالبدعة على الطرف المقابل، ولكنه يرفض أن يترتب على هذا التبديع أي ممارسات تجاه الطرف الآخر دنيويًّا من هجر أو حتى إغلاظ باللفظ، وحتى في الحكم الأخروي فالترحم عليهم مطلقًا، وإن سئل هل بدعتهم تؤدي لعذابهم عند الله، يقول: قد يكون ذلك إذا كان معاندًا. وهذا وجه الخلاف الوحيد الحقيقي بين هذا القول والقول السابق، علمًا أنهم لا يذكرونه إلا نادرًا مما يجعل الخلافَ بينهم وبين سابقهم لفظيًّا. غير أن أصحاب هذا القسم قد يكون عندهم نوع اجتهاد في الدرس العلمي وبيان غلط المخالفين؛ فينتفع به بعض الناس من المخالفين. القسم الرابع: القسم الذي يُعظِّم البحث العقائدي ويُرتِّب عليه أحكامًا، ويستدل بالسلف لذلك، ولكنه يتقي التكفير ويحكم بالتضليل فحسب، وذلك لارتباط التكفير عندهم باستحلال الدماء وهم يريدون إغلاق هذا الباب لضرره الاجتماعي فيما يرون، علمًا أن تكفير بعض الفرق الكلامية ما ترتب عليه سفك دم في غالب التاريخ، لأن الملوك في الغالب ما كانوا يتابعون الفقهاء على ذلك، وحين تابعهم بعضهم كان المتكلمون يأتون ويتبرأون، لهذا لا يُعرف معتزلي قُتل على الاعتزال، وإن وُجد فهو نادر، وعلى كلٍّ ترتُّب ضرر اجتماعي على حقيقة شرعية لا يدعو لنفيها (إن سلَّمنا أن هذا ضرر، وأهل الكلام شرذمة قليلة في الأمة باعترافهم أن عامة الناس لا يعقلون كلامهم)، فالخير بالاتباع وإن لم نعقله، وحتى تكفير الباطنية هل أدى لمجازر فيهم مثلًا! بل الملاحدة الْيَوْم لا يمسُّهم أحد، ولكن منهم من يغلق الباب لاعتبارات سياسية وقد يَستسهل الكلام عن تكفير الرافضة. هذه الأقسام الأربعة القسم الرابع منها يرى الثلاثة السابقة مُميِّعين، والأول منها يرى الثلاثة الذين دونه متشددين، والثاني يرى من دونه متشددًا ومن فوقه مميعًا. ومعلوم أن بعض الأقسام يشتدون بالكلام في التكفير في الباب الذي له متعلق بحقوق سياسية أو غيره، ومنهم من يدافع عن ثوابت الدين إذا طَعن فيها عالماني؛ لأنه يعلم أن العالماني يريد النيل من هُوية الأمة (وهنا يدخل بعدٌ سياسي واقتصادي واجتماعي)، ولكن لا يَفعل الشيء نفسه إذا طَعن منتسب لحركة إسلامية بالثوابت بالنحو نفسه؛ لأنه مأمون الجانب من جهة الهوية، وإن رد عليه فلا يكون الرد مصحوبًا بتجريحٍ أو حومٍ حول التكفير. =