كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

أهل العلم يكتبون مالهم وما عليهم..

المصدر
أهل العلم يكتبون مالهم وما عليهم.. دخلت إلى صفحة رجل مفكر قالوا لي أنه كان مشتغلاً بعلم الحديث، وبدأت أقلب في منشوراته فوجدته معجباً بأثر ينسبه لعلي بن أبي طالب رضي الله عنه: "اللهم إني أعوذ بك من سبات العقول". وقد كرر ذكر هذا الأثر وأفرده بتعليق في منشور معين، لأول مرة أسمع بهذا الأثر فأردت أن أبحث عن تخريجه لأرى درجة الأثر من ناحية الصحة والضعف فتفاجأت أن الأثر لا حضور له في كتب أهل السنة، وإنما ورد في كتاب نهج البلاغة الذي لا يشك منصف في أنه موضوع على علي بن أبي طالب رضي الله عنه وضعه الشريف الرضي. وسبكة الكلام تشبه كلام المتأخرين، ولا مجال للحديث عن التسامح في الآثار، فهنا نحن أمام شيء مختلق مكذوب وليس شيئاً روي بإسناد ضعيف أو منقطع وله نظائر من جنسه (وقد نقل الزمخشري هذه الكلمة في ربيع الأبرار وهذا لا يفيد الأثر قوة). ووجدت هذا المفكر يذكر أثراً ينسبه لصحابي غير مسمى: (عجبتُ لمن باتَ جوعان كيف لا يخرجُ على الناس بسيفه)، وهذا الأثر بحثت عنه في كتب الحديث المتقدمة فما وجدته، وإنما وجدت في كتاب مفيد العلوم المنسوب للخوارزمي -وهو ليس من أهل الحديث والرواية- عن الثوري بلا إسناد: "إني لاتعجب ممن له عيال كيف لا يخرج على الناس بسيفه اذا لم يكن له شيء". أصبت بخيبة أمل إذ أن مفكرنا ضاق به الاستدلال حتى لجأ إلى مثل هذه، ثم أخذني التفكر بظاهرة الأحاديث المشتهرة والثورة التي أحدثتها (السلفية المعاصرة) في باب الحديث. الأحاديث المشتهرة على الألسنة هي ظاهرة معروفة في كل زمان تتبعها يعكس لك الحالة الفكرية لأهل ذلك العصر، ما هي الأحاديث النبوية المتداولة بينهم. وفي كثير من الأحيان تكون هذه الأحاديث ليست صحيحة وإنما هي حكم أو آثار أو أمور مختلقة نسبت للنبي صلى الله عليه وسلم، واشتهرت لموافقتها للمزاج العام وطغت على الأحاديث الصحيحة التي لم تكن حظية عند المزاج العام، وقد تكون الأحاديث المشتهرة أحاديث صحيحة أو حسنة أو حتى ضعيفة ولكن شهرتها سببه مناسبتها لمزاج الناس، أو وجود مناسبة في حياة الناس لذكرها بشكل مستمر. الثورة الحديثية التي أحدثتها السلفية المعاصرة، والتي اتصلت بجهود عظيمة لحفاظ متأخرين كان لها حسنات كبيرة لا ينكرها منصف، وعليها مآخذ ينبغي الاعتراف بها ليتقدم البحث ويحصل التصحيح. فمن حسناتها التنبيه على الكثير جداً من الأحاديث المكذوبة والتي لا أصل لها، والتي كانت متداولة بشكل كبير بين الناس بفعل الوعاظ والصوفية وحتى العديد من الفقهاء المذهبيين. وكثير منهم يتكيء على دعوى جواز رواية الحديث الضعيف في فضائل الأعمال، ولكنهم كثيراً ما يوردون المكذوبات التي لا يجوز ذكرها في قول الجميع. ومن حسناتها بث السنن الصحيحة وإحياء الكثير من السنن المهجورة، ودحر الأقوال الضعيفة في المذاهب الفقهية التي خالفت الأحاديث الصحيحة ويتمسك بها بعض الناس تعصباً لا أكثر ولا أقل. ومن حسناتها إحياء علم العلل. وأما المآخذ ففي عدم الانتباه للفرق في التعامل بين أحاديث الأحكام وأحاديث الفضائل والأذكار، وأيضاً الفرق بين الموقوفات والمرفوعات، والانتباه لأسانيد التفسير والسيرة وأمر القرائن، وإهمال النظر الفقهي والآثار والشواهد العامة. وهذه المآخذ ظهر التنبيه عليها في السلفيين أنفسهم وكثيرون نبهوا منهم، وأخذ هذا بعض الصوفية وأشاعوه، وأظهروا التحسر على الأحاديث الضعيفة في فضائل الأعمال، وتجد عامتهم من المتكلمين الذين لا يقيمون للأحاديث الصحيحة وزناً في الاعتقاد أو المذهبيين الذين لا يقيمون لها كبير وزن في التنازع الفقهي، وما أكثر (البدع الحسنة) التي يدعون لها وإن لم يرد في الأمر حديث. وكثير من الشباب المنتسب للسلفية ممن اشتغل بالنقد الداخلي للسلفية ينظر بسخط لهذه المآخذ دون النظر إلى محاسن هذه الحالة، وذلك أنه اختزل نفسه في الخلاف السلفي السلفي دون النظر في حال الطوائف الأخرى والتي لو نظر لها لاكتملت الصورة عنده. =