كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

التشويش على الأصول بحجة الاختلاف في بعض الفروع.

المصدر
التشويش على الأصول بحجة الاختلاف في بعض الفروع. هناك شبهة دارجة في كلام الملاحدة والعالمانيين ومنكري السنة، وهي أنهم يقولون علماء المسلمين يختلفون في الأحكام وفي التصحيح والتضعيف، وهذا معناه أننا لا يمكن أن نعتمد على هذه الأمور. وعادة ما يأتي الجواب أن هذا الخلاف فرع عن اتفاقات عديدة، مثل الاتفاق على صحة الرسالة، وعلى أصل وجود التحليل والتحريم، والتصحيح والتضعيف، ووجود أمثلة كثيرة جداً صحيحة متفق عليها. وفي كل خلاف إجماع على أنه لا يجوز الخروج عن أقوال المجتهدين وإحداث قول جديد، واتفاق على منهجية عامة بين أهل السنة عند الخلاف، كما أن خلافهم يقوي من شأن إجماعهم، إذ تعتبر قرينة تدل على أن المسائل لم تكن تفرض عليهم من سلطة عليا، أو نشأ ذلك من تقليدهم لبعضهم البعض، إذ اختلفوا واتفقوا في مسائل من الجنس نفسه (وهذا في شأن السلف الكرام من المجتهدين). ولهذا هناك أقوال للملاحدة والعالمانيين ومنكري السنة خارجة عن اتفاقهم كلهم، أجمع الناس على ذمها، فهم يقولون لنا أنتم مختلفون فلا يجوز لنا الأخذ بكلامكم، ثم هم جزء من هذا الخلاف ويريدون منا أن نأخذ بكلامهم هم. واختلاف أهل الملة على درجات، والخلاف السائغ بين الفقهاء لله فيه حكم، من أهمها تفاضل أهل الإيمان، كما يتفاضل الناس في العبادات فكذلك يتفاوتون في العلم، فالمصيب له أجران والمخطيء له أجر، هذا في مسائل الاجتهاد، وأما في غيرها فهناك بدعة وسنة، وقد يوجد في أهل الملة من يقع في الكفر، فهذا بلاؤه لا يحسب على الشريعة بل من محاسن الشريعة أنها تنفي عن نفسها الخبث. هذه خلاصة هذا المطلب، ثم إنني وجدت بعض من يزعم أنه يرد على (العقائديين) من يسلك مسلك العالمانيين هذا، فيقول أنه لا يجوز أن يؤخذ بالأحكام على المخالفين الواردة في القرنين الثاني والثالث، ويعلل هذا الدفع بأن هناك الكثير ممن جرح ظلماً بدعوى أنه على عقيدة باطلة. ومع عدم التسليم بوجود هذا الكثير فإن الجواب عن هذا لا يختلف كثيراً عن الجواب على تلك الشبهة، وبيان ذلك أن يقال: وجود فرقة يقال لها المرجئة على سبيل المثال، وأنهم مبتدعة هذا محل تسليم بين عامة أهل الحديث، وأنهم من مقالاتهم القول بعدم زيادة الإيمان ونقصانه، وإخراج العمل من مسمى الإيمان هذا كله محل اتفاق. هذا لا يختلف عن الاتفاق على وجود شيء اسمه شفعة، أو مكاتبة، أو ركوع في الصلاة، أو نصاب في الزكاة، أو تحلل في الحج، وغيرها من أبواب الفقه التي اتفق الناس على وجودها. وهناك أيضاً اتفاق على وجود أناس تلبسوا بهذا الإرجاء، وجرحوا به هذا أيضاً محل اتفاق يدل عليه عامة المدونات العقدية والرجالية. وهذا نظير وجود مسائل إجماع في أبواب الفقه السابق ذكرها، وهي مجرد أمثلة. وأيضاً هناك أناس اختلف فيهم هل هم مرجئة أو ليسوا مرجئة من أعيان مشهورين، وهذا الاختلاف قد يكون الراجح فيه أنهم مرجئة، وقد يكون الراجح أنهم ليسوا كذلك، وأنهم ظلموا. وجود المظلومين لا ينفي وجود الأصل الصحيح، والتسليم للأمثلة الصحيحة، كما أن وجود أناس ضعفوا بالباطل لا يعني هدر التضعيف من أساسه، كما أن وجود أناس مظلومين في السجون لا يعني هدم المنظومة القانونية من أساسها، كما أن الحد قد يقام على من لا يستحق ولكن نقر عين من يستحق بترك الأمر من أساسه، فما سقطت عقوبة القصاص إلا بمثل هذه الشبه الواهيات، كما وجد فقهاء أحلوا حراماً أو حرموا حلالاً باجتهاد خاطيء لا يسوغ هدر الفقه من أساسه، كما أن ذم الخوارج وارد عن النبي صلى الله عليه وسلم، وذم القدرية وارد عن أصحابه، وقد اتهم بعض الناس بالقدر والخارجية غلطاً ولم يسقط هذا الباب من أساسه. وتحديد أن فلاناً (مظلوم) أو (اتهم غلطاً)  أو (التهمة عليه ثابتة) مسألة قد تكون قطعية وقد تكون اجتهادية بحسب المعطيات، وقد تختلف بحسب المقدرة العلمية للباحث. ولا يصلح في هذا الباب التشهي، فلو فرضنا أن هناك جهمياً تم تكفيره بتجهمه مثل (ابن أبي دؤاد) وآخر لم يتم تكفيره وتم عذره (ولا أسلم بوجود أمثلة صحيحة لذلك، ولكن أفرض هنا فرضاً). فلا يصلح أن نأتي ونقيس كل الناس على ذلك المعذور، ولا يقاس أحد على ابن أبي دؤاد، كما أنه في تهمة الإرجاء أو القدر هناك من هو مقاس على المظلوم، وهناك من هو مقاس على المتهم الذي صحت عليه التهمة، وهناك المقاس على المتهم الذي ثبتت عليه التهمة بإجماع، ولم يكن ذلك محل خلاف. والواقع أن من يستنكر كلام المتقدمين في القرنين الثاني والثالث إنما يستنكر كلامهم في الجهمية والقدرية ونظرائهم ممن خالفوا في مسائل (نظرية) استصغرت حركياً، مع أنها من أعظم الإيمان بالغيب، بينما هم لا يستنكرون التوسع في إطلاق لفظ الإرجاء أو الخارجية على الخصوم مع وجود من اتهموا بهذه التهم ظلماً في الزمن القديم، وهذا يدل على ما نذكره مراراً من أن معيار تعظيم المسائل لا متعلق له بموقع هذه المسائل من النصوص، وإنما موقعها من المشروع. العدل لا يرضي كل الناس وليس نهاية المطاف. بالأمس كنت أقرأ في بعض الموسوعات التاريخية التي تلخص تاريخ الإسلام، ومر عليّ أحداث الخلافة الراشدة التي هي معلومة عند كل مسلم تقريباً، من مقتل عمر بن الخطاب ومقتل عثمان بن عفان ومقتل علي بن أبي طالب، ووقفت أتفكر ما الفائدة التي يمكن أن نحصلها من هذا. ونحن نعتقد أن الخلفاء الراشدين عادلون، بل هم أعلى أمثلة العدل بعد الأنبياء الكرام صلى الله عليهم وسلم. فكان الدرس المستفاد: أن العدل ليس محل اتفاق بين الناس، بمعنى أنه لن يسلم له عموم الناس، والصورة التي في أذهاننا أننا نأتي بشيء مثالي يرضى عنه حتى المخالف العقدي والمنتفع من الفساد هذا مستحيل. قاتِل عمر كافر، ولكن من قتل عثمان وعلياً كانوا من المنتسبين للملة، وممن يزعمون أنهم يحققون العدل ويذبون عنه. فالعدل الذي هو الشرع لن يسلم له كل الناس، وسيأتي فيهم من يقول: اعدل. كما قال ذلك الخارجي للنبي صلى الله عليه وسلم: اعدل يا محمد على نبينا (صلى الله عليه وسلم). وبالتالي هناك جهاد كلمة تصحح فيه المفاهيم المضللة عن العدل والحق، كما فعل عبد الله بن عباس -رضي الله عنهما- مع الخوارج. وحتى الأئمة العادلون يتشوفون ليوم القيامة، حيث يقتص لهم ممن ظلمهم ونسبهم للظلم والجور وهم عادلون أو متأولون. قد تظن أنني أقرر بديهيات ولكن صدقني كثيرون جعلوا في أذهانهم صورة مثالية للدولة العادلة، وتخيلوا أنها ما سينهي كل النزاعات، وأن هناك طريقاً للحاكم أو الداعية بحيث يجتمع عليه كل الناس أو أغلبهم، دون مداهنة أو قصور في بيان الحق. وأن الحق والعدل في نفسه مقبول عند كل الناس، نعم هو في درجة من درجاته مقبول عند عامة البشر، ولكن في درجات معينة يرفضه كثير منهم أشد الرفض كما يرفضون التوحيد. وقد يظن من يسيء الظن أنني هنا أثبط عن العدل وليس كذلك، فالعدل من أهم الأمور وليست مختصة بالولاة، فنحن جميعاً مأمورون بالقسط والعدل، ولكن الذي أريد قوله أن من يلي الأحكام يجب ألا يلتفت لرضا الناس، وأن يتعامل مع الله تبارك وتعالى، وإن سخط من سخط. نعم السياسة والتحييد أمر حسن بالقدر المأذون به شرعاً دون تحريف للدين أو تنازلات لا تنتهي. وأن وصولك لرأس الهرم وحكمك في الناس ليس نهاية المطاف، بل قد ينتهي الأمر بوقوع أعظم الظلم عليك، وهو القتل ظلماً، وتلك شهادة في سبيل الله (وقد تسلم من ذلك). وأننا لا ينبغي أن نهمل حرب الأفكار المنحرفة بحجة أننا نريد تحقيق نصر سياسي يقربنا من السلطة، فهذه الأفكار ونظائرها قد تتطور إلى مناهج منحرفة في فهم العدل والظلم، والصواب والخطأ، تنغص على أهل الإيمان ما هم فيه من الخير. والمراد أيضا أن النجاح ليس معناه السلامة من الأذى، فهؤلاء راشدون عند الله ورسوله، ولا يضرهم من قتلهم ولا من سبَّهم بعد موتهم. الشيعة لا يصدقون لوط بن يحيى في كل ما قال (فعامة ما يبكون عليه في عاشوراء قد يكون مكذوباً). مما يجهله كثير من أهل السنة فضلاً عن الشيعة الإمامية أن الروايات التفصيلية لمقتل الحسين بن علي رضي الله عنهما مدارها على رجل اسمه (لوط بن يحيى) هذا الشخص جرحه علماء أهل السنة، وما روى أحد هذه التفاصيل غيره. والشيعة يؤمنون بهذه التفاصيل، ويذكرونها كثيراً في مجالسهم الحسينية التي تكوّن عامة ثقافتهم الدينية، هذا مع أنهم زادوا عليها أكاذيب مثل قصة عرس القاسم، وتوسعات في ذكر بطولات العباس، ووجود شخصية اسمها رقية بنت الحسين وغيرها من الأمور التي لوط نفسه لا علاقة له بها. قد لا تفهم حجم المعضلة قد أقول لك: من ضروريات التدين بالمذهب الشيعي أن تكذب مئات بل آلاف الرواة الذين رووا أخباراً تخالف ثوابت الإمامية، مثل أخبار الصفات والقدر وفضائل الصحابة والسنن التي خالفت مذاهبهم، ثم هم يصدقون لوطاً لأنه روى ما يخدم ما يريدون، وفي الواقع لوط نفسه محل تكذيب عندهم في مواطن معروفة، وإن الخوئي في معجم الرجال قال أنه مقبول بالرواية. قد نص ابن أبي الحديد المعتزلي في نهج البلاغة أن لوطاً ليس إمامياً أصالة، ووافقه على قوله هذا جماعة من الإمامية، وخالفه آخرون، من الأدلة التي أوردها الموافقون على كلامه: قال التستري الشيعي في قاموس الرجال (7 / 447) : "بل يمكن ان يقال أن روايته: (ان الحسين عليه السلام لما خطب أهل الكوفة وسمع اخواته كلامه صحن وبكين، فأرسل اخاه وابنه لاسكاتهن، وقال: لا يبعد ابن عباس، فظننا انه انما قالها حين سمع بكاءهن لانه كان قد نهاه ان يخرج بهن) ظاهر في عدم اماميته". يريد التستري أن في رواية لوط ما يدل على أن الحسين رضي الله عنه ندم على إخراج النساء معه، وتمنى أنه لو سمع وصية ابن عباس رضي الله عنهما، وهذا يخالف اعتقاد الإمامية في علم الحسين بالغيب. قال سامي البدري (وهو شيعي إمامي) : "ويشهد لعدم اماميته -يعني لوطاً- روايته أن عليا عليه السلام دفن بالرحبة مما يلي أبواب كندة ولم يذكر خبر دفنه في النجف. قال أبو الفرج في مقاتل الطالبيين: حدَّثنا زيد بن المعدل عن يحيى بن شعيب عن أبي مخنف عن فضيل بن خديج عن الأسود الكندى والاجلح قالا: توفي علي عليه السلام وهو ابن أربع وستين سنة في عام أربعين من الهجره ليلة الإحدى وعشرين، ليلة الأحد مضت من شهر رمضان، وولي غسله ابنه الحسن وعبد الله بن العباس، وكفن في ثلاثه أثواب ليس فيها قميص، وصلى عليه ابنه الحسن فكبر عليه خمس تكبيرات ودفن بالرحبة مما يلي أبواب كندة عند صلاة الصبح". وقال أيضاً بعدما أورد بعض الروايات من مقتل الحسين للوط: "ليس من شك أن في الرواية كذب من قبيل قول يزيد لعلي بن الحسين عليه السلام: (لعن الله ابن مرجانة، أما والله لو أني صاحبه ما سألني خصلة أبدا إلاَّ اعطيتها إياه، ولدفعت الحتف عنه بكل ما استطعت ولو بهلاك بعض ولدي ولكن الله قضى ما رأيت) وهذا الكذب إما من أبي مخنف وإما من الحارث بن كعب وإما من الطبري أو من الواسطة بين الطبري وأبي مخنف وهو عباس بن هشام الكلبي، وإذا كانت الرواية لا تنحصر برواية الطبري فإن الكذب ينحصر بين أبي مخنف أو شيخه الحارث بن كعب". أقول: وقد ضاعت كتب أبي مخنف ولم يبق منها سوى ما نقله عنه الطبري من رواياته في مقتل الحسين عليه السلام، وأخبار المختار وغيرها، وما نقله عنه ابن أبي الحديد من رواياته في الجمل. وما نقله الشيخ المفيد في كتابه حرب الجمل" أقول: فالخلاصة الشيعة يكذِّبون روايات مدارها على لوط، ثم يجعلون روايته لمقتل الحسين هي الأصل، ثم ينتقون منها ما يريدون ويزيدون عليه، وهذه طريقتهم مع كل كتب التواريخ، فحتى روايات الكذابين أمثال الواقدي وسيف التميمي وغيرهم، من تأملها وفيها ذكر لمثالب الصحابة، يجد فيها أيضاً ما يناقض عقائد الإمامية جملة وتفصيلاً، فهم يتعاملون بانتقائية. فرجل روى روايات لا تطيقونها وتجزمون بكذبها، كيف تأخذون جزءاً من رواياته وتكررونها كل عام، وتبكون عليها حتى رسخت في أذهان الملايين، حتى إنك تجد المرء منهم يؤمن بتحريف القرآن ويأخذ بروايات لوط التي لا يؤمن بها كلها. فتجد على سبيل المثال عامتهم يؤمنون بوجود رجل نصر الحسين بقوة اسمه حبيب بن مظاهر ويقولون عنه (صحابي جليل) وهذا الشخص لا ذكر له إلا في روايات لوط، فيذكرون لهذا الشخص منقبته المشكوك بها ثم يسبون المهاجرين والأنصار الذين زكاهم الله في القرآن. فائدة في الرد على الرافضة ومنكري السنة ودعاة التنوير من آية تتكلم عن المسيح عليه الصلاة والسلام قال تعالى: {إذ قال الله يا عيسى إني متوفيك ورافعك إلي ومطهرك من الذين كفروا وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة ثم إلي مرجعكم فأحكم بينكم فيما كنتم فيه تختلفون} [آل عمران] قوله تعالى: {وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة} فسرها غالب مفسري السلف بأهل الإسلام يكونون ظاهرين على أهل الباطل، ودعموا ذلك بحديث: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين». قال الطبري في تفسيره: "يعني بذلك جل ثناؤه: وجاعل الذين اتبعوك على منهاجك وملتك من الإسلام وفطرته، فوق الذين جحدوا نبوتك وخالفوا سبيلهم من جميع أهل الملل، فكذبوا بما جئت به وصدوا عن الإقرار به، فمصيرهم فوقهم ظاهرين عليهم. 7149 - حدثنا بشر بن معاذ قال، حدثنا يزيد قال، حدثنا سعيد، عن قتادة في قوله: "وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة"، هم أهل الإسلام الذين اتبعوه على فطرته وملته وسنته، فلا يزالون ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة. 7150 - حدثنا المثنى قال، حدثنا إسحاق قال، حدثنا ابن أبي جعفر، عن أبيه، عن الربيع في قوله:"وجاعل الذين اتبعوك فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة"، ثم ذكر نحوه". فإن قيل: أليس قد ورد في السنة وشاهدنا في الواقع ما يدل على تسلط الكفار على أهل الإسلام مثل حديث: «تداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة على قصعتها». فيقال: قال السمعاني في تفسيره: "وفيه قولان: أحدهما: أنهم فوقهم بالحجة. والثاني: بالعز والغلبة، وقد قال: "أنا أولى بعيسى بن مريم، ليس بيني وبينه نبي"". أقول: فهم فوقهم حقيقة غالب الزمان وفوقهم في الحجة كل الزمان، ولعل مما يدل على ذلك سياق الآيات إذ جاءت الحجة العظيمة: {إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون} والتي تنقض على اليهود والنصارى إفكهم. فإن قلت: ما وجه الرد في هذه الآية وفقًا لهذا التفسير على منكري السنة؟ فيقال: إن منكري السنة يزعمون أن أخذك بالسنة يخالف إيمانك بأن القرآن تبيان لكل شيء، ونحن نقول إن الأخذ بالسنة هو من العمل بالقرآن، لأن الله عز وجل أمر باتباع النبي صلى الله عليه وسلم فيما يقول. ألا ترى أن الله عز وجل جعل المسلمين متبعين للمسيح عليه الصلاة والسلام مع أنه ليس نبيهم، وإنما نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم، ولكنه لمَّا بشَّر بمحمد صلى الله عليه وسلم وأمر باتباعه كان المتبِع للنبي صلى الله عليه وسلم متبعًا له. وفي ذلك أيضًا أن التوافق العقدي هو أعظم التوافق فجعلنا متبعين له مع اختلاف الشرائع، وكذلك في هذه الأمة يختلف أهل السنة في الاجتهاديات، ولكن توافقهم العقدي هو الذي يجمعهم، واليوم ظهر أقوام لا يرفعون بهذا رأسًا، الاختلاف في العقيدة عندهم كالاختلاف في الفقه ما دامت العقائد مسائل متعلقة بما يسمونه أبحاثًا نظرية (أيْ الصفات والإيمان والقدر). كما أن متبع النبي صلى الله عليه وسلم تابع للمسيح فكذلك متبع السنة والسلف متبع للقرآن. وإن قيل فما وجه ردها على الرافضة؟ فيقال: عامة السلف ما جعلوا أتباع المسيح مَن ألَّهوه وإنما من أنزلوه منزلته، وكذلك أتباع أهل البيت حقًّا ليسوا من غلوا فيهم وألَّهوهم أو قالوا بعصمتهم، وإنما من أنزلوهم منزلتهم، وفي الرافضة قوم يسمونهم الغالية يكفرونهم لأنهم يعتقدون أن الأئمة يخلقون، والبقية يعبدون أهل البيت ويثبتون لهم خصائص عجيبة لا تكون إلا لله، والنصارى في أول أمرهم قالوا في المسيح نحوًا من قول غالية الرافضة ثم دام فيهم الأمر حتى قالوا المسيح هو الله. وفي الآية ذكر رفع المسيح وتطهيره وتخليصه من المشركين للدلالة على احتياجه لله تبارك وتعالى فهو عبد كريم، وتجد الرافضي يرى أن الحسين قُتل وما سلم من قاتليه، ثم تراه يقول في الاستغاثة بالحسين وتعظيمه نحوًا مما يقول النصارى في المسيح. وإن قيل: ما وجه الرد فيها على دعاة التنوير؟ فيقال: الذين كفروا في الآية هم اليهود بلا نزاع، أو اليهود والنصارى، وهؤلاء هم أهل الكتاب الذين يرفض جماعة من دعاة التنوير تكفيرهم. وقوله سبحانه: {فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة} يدل على ديمومة الصراع، فلا يستطيع أحد إيقافه، فأوهام السلام العالمي وترك التعصب العقدي والدعوة العقدية كل ذلك أوهام. وهناك كلمة يرددونها (أن هذه الصراعات لن تنتهي) يريدون أننا ينبغي أن نتركها، فبيَّن رب العالمين أنها واقع وإن لم تنتهِ وهناك آخرة يفصل فيها رب العالمين. ولهذا العدل لا يستتم في الدنيا، فلا يوجد قانون يعاقب على التدليس والمكابرة في الحوارات العقدية، هذا إنما يستتم يوم القيامة، وحتى الحروب يقع فيها تظالم كثير ولا يقتص منه في الدنيا، فذلك يشوِّق الناس إلى القيامة بدلًا من الركون إلى فردوس أرضي، نعم لن تنتهي ولكن يرجو المسلم الأجر بدعوة أهل الباطل.