الماريجوانا وتدليس علموي عالماني جديد
الماريجوانا وتدليس علموي عالماني جديد
ظهر دكتور عندنا في الكويت يقول أن الماريجوانا ليست ضارة، ومع الأسف هذا الدكتور الذي يفترض أن يكون أكاديميًّا جادًّا يُردِّد كلامًا مأخوذًا من الصحافة الصفراء الإلكترونية التي تتطلب الإثارة الإعلامية وربما تنشر الرذيلة دون تثبت.
الخبر المنشور في عدة مواقع هكذا:
«صوتت لجنة المخدرات التابعة للأمم المتحدة، أمس الأربعاء ٢ ديسمبر ٢٠٢٠، على تغيير تصنيف الحشيش وخام القنب (الهندي) من تصنيف منظمة الصحة العالمية للمخدرات الأكثر تقييدًا وخطورة "الجدول الرابع"، إلى الفئة الأقل خطورة في الجدول الأول.
وحسب اللجنة، فإن مخدرات الجدول الرابع، والتي تشمل الهيروين والمخدرات الاصطناعية، تعدّ "شديدة الإدمان ومعرضة بشدة لسوء الاستخدام ونادرًا ما تستخدم في الممارسة الطبية".
وفي المقابل، لا تزال عقاقير الجدول الأول تعدّ "مُسببة للإدمان بدرجة كبيرة ومعرضة بشدة لسوء الاستخدام"، غير أنها قد تشمل المخدرات المُستخدمة لأغراض طبية».
أقول: القنب الهندي هو الماريجوانا، وكل ما في الموضوع أنه كان يُصنَّف خطيرًا مثل الهيروين ولما اكتُشف له استخدامات طبية حُسِّن تصنيفه، وهذا ليس معناه أن الماريجوانا لم تعد ضارة، بل هي ضارة وتُسبِّب الإدمان أيضًا، ولكنها أهون من المخدرات المصنفة في الجدول الرابع.
ولنرجع إلى الخبر الأصلي من النيويورك تايمز:
«الأمم المتحدة تعيد تصنيف الحشيش كعقار أقل خطورة:
صوتت لجنة تابعة للأمم المتحدة لإزالة الماريجوانا للاستخدام الطبي من قائمة المخدرات الأكثر خطورة، مثل الهيروين».
تأمَّل "أقل خطورة"، والأمر كان تصويتًا فهو ليس أمرًا خاضعًا لمقاييس علمية قطعية، وإنما لاعتبارات أخلاقية وعقائدية أيضًا.
فكان مما ورد في الخبر:
«قدمت منظمة الصحة العالمية التوصيات لتغيير تصنيف الماريجوانا لأول مرة في عام ٢٠١٩. لكنها كانت مثيرة للانقسام سياسيًّا، مما أدى إلى تأخيرات غير عادية في تصويت لجنة الأمم المتحدة.
تم تمرير إعادة التصنيف من ٢٧ إلى ٢٥ ، مع امتناع أوكرانيا عن التصويت. وكانت الولايات المتحدة والدول الأوروبية من بين الذين صوَّتوا لصالحها، بينما عارضتها دول أمثال الصين ومصر ونيجيريا وباكستان وروسيا».
فالمسألة لها مدخل أيديولوجي واضح، بمعنى الترجيح بين المصالح والمفاسد الذي يخضع لنظر الإنسان المصلحي، ومعلوم أن الثقافة الغربية لا تهتم بأمر الأعراض وتتساهل مع السكْر بخلاف غيرهم.
قال مندوب الصين إنه على الرغم من تحرك الأمم المتحدة، فإن البلاد ستسيطر بشكل صارم على الحشيش "للحماية من الأذى وسوء المعاملة".
قال مندوب بريطانيا إن إعادة التصنيف "تتماشى مع الأدلة العلمية لفوائدها العلاجية" لكن الدولة لا تزال تدعم بقوة الضوابط الدولية للقنب، مضيفًا أن الماريجوانا تمثل "مخاطر صحية عامة خطيرة".
تأمَّل قول مندوب بريطانيا والذي اجتنبَتْ نقله عامة المواقع العربية التي نقلت الخبر، فهم إنما صوَّتوا على استخدام طبي تحت إشراف الأطباء بشكل خاص، وهذا بحد ذاته لا زال خاضعًا للبحث، فكما تغيَّر موقفهم القديم يمكن أن يتغيَّر موقفهم الحديث مستقبلًا عند اكتشاف آثار جانبية قوية.
فمندوب بريطانيا يعترف بوجود "مخاطر صحية عامة" للحشيش والماريجوانا ويأتينا الدكتور يقطع بأنه لا مشكلة فقط لأن عدة دول في الأمم المتحدة صوَّتت على تغيير تصنيفها للمنافع الصحية التي يدَّعون بقدر معين وتحت إشراف أطباء وفي حالات معينة كما هو معلوم، بخلاف الاستخدام الفردي والإدمان عليها.
وقد ورد في مقال النيويورك تايمز ما يلي:
«قبل التصويت هذا الأسبوع وجهود أخرى لإلغاء التجريم، قفزت أسعار أسهم بعض شركات القنب.
ولكن بصرف النظر عن النعمة المالية التي يمكن أن توفرها لأسواق الماريجوانا الأمريكية والأوروبية، فإن التقليل من مخاطر القنب قد يكون له أكبر تأثير على البلدان التي لديها سياسات أكثر تحفظًا، مثل العديد من دول الكاريبي والآسيوية».
أقول: أي أن الأمر له مدخل رأسمالي، فالدخان والخمور والمواد الإباحية لا يشكُّ أحد بضررها ولكنها غير مجرَّمة لأن الشركات الرأسمالية تنتفع منها كثيرًا، وغاية ما في الأمر فرض بعض القيود.
ووفقًا للمعهد الوطني لتعاطي المخدرات في الولايات المتحدة (أحد أهم المصوتين)، هناك تأثيرات عندما ينخرط المرء في تعاطي الماريجوانا على المدى الطويل، بالإضافة إلى الإدمان، والتي تشمل:
- ضعف النتائج التعليمية والأداء الوظيفي.
- قلة الرضا عن الحياة.
- ضعف إدراكي يستمر لفترة أطول من مجرد وقت التسمم.
- السعال المزمن والتهاب الشعب الهوائية ومشاكل الجهاز التنفسي الأخرى.
- خطر الإصابة بالذهان لدى الأفراد الذين قد يكونون عرضة للخطر.
فهل تبخَّرت هذه الأضرار بين ليلة وضحاها؟
ابن شاهين ليس على طريقتكم.
قال ابن عساكر في تبيين كذب المفتري: ولهذا قال أبو حفص عمر بن أحمد بن عثمان بن شاهين -وهو من أقران الدارقطني ومن أصحاب الحديث المتسننين-: ما قرأت على الشيخ أبي محمد عبد الكريم بن حمزة ابن الخضر بدمشق عن أبي محمد عبد العزيز بن أحمد قال: حدثني أبو النجيب عبد الغفار بن عبد الواحد الأرموي قال: ثنا أبو ذر عبد بن أحمد الهروي قال: سمعت ابن شاهين يقول: رجلان صالحان بليا بأصحاب سوء جعفر بن محمد وأحمد ابن حنبل.
أقول: هذا الخبر أورده ابن عساكر لأن الأشعرية الذين يتعصب لهم ابن عساكر يُكثِر الحنابلة من الحطِّ عليهم. وقام بعض الدكاترة بإعادة نشر هذا الأثر والتركيز عليه، مع أنهم إن أرادوا التهوين من أمر التوسل جاءوا برواية في منسك المروذي عن الذي لا يعرفون له سندًا.
وإن أرادوا الكلام في موضوع يزيد بن معاوية يأتونك برواية "وهل يحب يزيدَ أحد يؤمن بالله واليوم الآخر" عن أحمد، وهذه الرواية لا أعرف لها إسنادًا.
وإن أرادوا إباحة الاحتفال مع النصارى بأعيادهم جاءوك برواية عن أحمد وفهموها فهمًا غريبًا لوذعيًّا ليأتوا بنتيجةٍ ما سبق إليها أحد من العالمين.
لقد صار باديًا لكل ذي عينين أن التعامل مع التراث عند هؤلاء ليس نزيهًا، وإنما يتعاملون بطريقة مناكفية انتصارًا لقيم إنسانوية هم ينقضونها تطبيقيًّا وهم ينتصرون لها وذلك أنها محلِّقة ولا يمكن تطبيقها، وإنما المراد ترك الولاء والبراء على العقائد ثم إشغال القلب بالشهوات، ولا أدلَّ على ذلك من الاجتهاد بإباحة الأغاني الغرامية ثم الإفراط في تعريف الناس بكتب العشاق وأخبار العشق، وهكذا نترك الأبحاث المتعلقة بأسماء الله وصفاته والقدر والإيمان لننشغل بهذه الأمور!
والتعليق على خبر ابن شاهين واستشهاد ابن عساكر به من وجوه:
الأول: أن هذا الخبر استنكره بعض الناس، وهو وإن كان عامة رواته لم يُتكلم فيهم بقدح إلا أن شيخ ابن عساكر على سبيل المثال إنما وثقه ابن عساكر، والحنابلة يتهمونه بالتعصب، فهم وإن لم يقدحوا في روايته فقد لا يقبلون جرحه وتعديله، فالضبط في الرواية شيء وكونك نقادًا شيء آخر.
ثم إن توثيقه لشيخه متعلق بكونه يروي الكتب المشهورة مثل السنن والصحاح بإجازات، وإجازاته هذه صحيحة، وهذا لا يعني أنه يضبط الأخبار المسموعة جيدًا.
ولشرح المسألة: الناس في زمن ابن عساكر كانوا يروُون كتبًا معروفة ومشهورة ومتداولة، ولكن ميزة الرواية أن يكون الكتاب مسموعًا على شيخ وهذا الشيخ سمع من شيخه وهذا الشيخ سمع من شيخه إلى أن نصل إلى المصنف، وإلا فالكتاب موجود ومتداول.
وقد كان بعض الناس يدَّعون سماعات غير صحيحة ولا يؤثِّر هذا في نفس الكتاب، فمثلًا كتاب الصحاح للجوهري ادعى بعضهم له إسنادًا غير حقيقي ولكن الكتاب ثابت عن المؤلف مشهور متداول.
الضبط في أمر الإجازات لا يشبه ضبط الأخبار التي لا توجد في كتب وإنما يتلقاها المرء سماعًا واحدًا عن واحد (والذي يشبه الرواية في الزمن الأول).
وحتى الثقات ربما رووا شيئًا دلت القرائن على غلطهم فيه، وهذا عمل النقاد. قال الذهبي معلقًا على قصة أحمد مع المحاسبي في ميزان الاعتدال: "وهذه حكاية صحيحة السند منكرة، لا تقع على قلبى، أستبعد وقوع هذا من مثل أحمد".
وليس هذا فتحًا لباب التخرُّص، بل لا بد من تقديم أدلة على هذا التوهيم، فالثقة لا يُدفع خبره بالتشهي.
قال ابن المبرد في جمع الجيوش والدساكر ناقدًا لمتن هذه الرواية: "ذكر بسنده عن الهروي عن ابن شاهين، قال: رجلان صالحان بليا بأصحاب سوء: جعفر بن محمد وأحمد بن حنبل، وهذا هو الكذب والافتراء على أصحاب أحمد، فوالله لهذا الكذب والافتراء أشد من كلام الأهوازي، وقد روينا في كتاب الحظ الأسعد، عن عدة من الأئمة: أن علامة أهل البدع الكلام في أصحاب أحمد، وأنه لا يتكلم في أصحاب أحمد إلا مبتدع أو صاحب بدعة، فوالله لم تزل الحنابلة على التمسك بالكتاب والسنة، وعلى لزوم الطاعة والديانة والعبادة والتواضع والزهد في الدنيا والورع والتخفف والتنسك قديمًا وحديثًا، والعوام يعرف ذلك منهم فضلًا عن الفقهاء، وإنما حملهم على ذلك العصبية والهوى، وشهرتهم في الديانة تكفي عن ذكر مناقبهم، ثم ذكر عن بعضهم أنه لما تم للهجرة مئتان وستون سنة رفعت أنواع البدع رأسها حتى أصبحت آيات الدين منطمسة الآثار وأعلام الحق مندرسة الأخبار، وأن الله أظهر الأشعري فأحيا السنة، فانظر لهذا بعين التحقيق إلى هذا الهذيان والكذب، فإنه قبل الستين والمائتين كان.... الأئمة مثل أحمد بن حنبل، ومسلم بن حجاج، وأبي عبد الله البخاري، وأبي عيسى الترمذي، وأبي داود السجستاني، وغيرهم من أئمة الدين المقتدى بهم، فأي بدعة كانت عند هؤلاء؟".
خلاصة نقد ابن المبرد أن أصحاب أحمد أئمة ثقات مشهورون بالعلم والفقة والرواية، وفيهم أعلام متفق على عدالتهم وضبطهم وفقههم، فكيف يقول حافظ مثل ابن شاهين مثل هذه الكلمة عنهم.
=
والواقع أن عامة أهل الحديث في زمن أحمد يُعتبرون من أصحابه، فكلهم كانوا يقتدون به ويرجعون إلى قوله، ولكنهم مراتب في هذه الصحبة.
وقال ابن تيمية في المناظرة على العقيدة الواسطية لما قالوا له كلمة نحوها: "وقلت لهذا الشيخ: من في أصحاب الإمام أحمد -رحمه الله- حشوي بالمعنى الذي تريده؟ الأثرم أبو داود المروذي الخلال، أبو بكر عبد العزيز، أبو الحسن التميمي بن حامد، القاضي أبو يعلى، أبو الخطاب بن عقيل؟ ورفعت صوتي وقلت: سمِّهم قل لي منهم؟ من هم؟ أبِكذب ابن الخطيب (يقصد الرازي) وافترائه على الناس في مذاهبهم تبطل الشريعة وتندرس معالم الدين؟".
وقال السجزي في الرد على من أنكر الحرف والصوت: "ويصيح أنه ليس بأشعري، ثم يقول: رأيت منهم أفاضل ومن التراب تحت رجله أفضل من خلق، وإذا قدم البلد رجل منهم قصده قاضيا لحقه، وإذا دخله رجل من أصحابنا جانبه وحذر منه. وكلما ذكر بين يديه شيخ من شيوخ الحنابلة وقع فيه، وقال: أحمد نبيل لكنه بلي بمن يكذب.
وهذا مكر منه لا يحيق إلا به.
ولو جاز أن يقال: إن أصحاب أحمد كذبوا عليه في الظاهر من مذهبه، والمنصوص له، لساغ أن يقال إن أصحاب مالك والشافعي وغيرهما كذبوا عليهم فيما نقلوه عنهم، وهذا لا يقوله إلا جاهل رقيق الدين قليل الحياء".
سبحان الله، كأن السجزي يتكلم عن هذا الدكتور المردود عليه. ولاحظ أن السجزي مات قبل ابن عساكر بزمن طويل وكان يأثر القول عن رجل منسوب للأشعرية وليس من أهل الحديث، ولو كانت الكلمة معروفة عن ابن شاهين لذكر ذلك، وهذا يؤكد على الوهم.
الثاني: أن ابن شاهين له كتاب في العقيدة معروف اسمه "شرح مذاهب أهل السنة" وهو يسير فيه على طريقة متقدمي الحنابلة.
فقال في هذا الكتاب: حدثنا أحمد، ثنا محمد بن إسماعيل السلمي، قال: سألت أبا عبد الله أحمد بن حنبل عمن قال: القرآن مخلوق، فقال: "القرآن من علم الله، وعلم الله غير مخلوق، فمن قال: مخلوق، فهو كافر. قالوا: ففيه الذي يبصر القرآن ويعرف، هو جهمي، والذي لا يبصر ولا يعرف يبصر. قال: وسألته عمن قال: لفظي بالقرآن مخلوق؟ ولم يكن حدث يومئذ لفظي بالقرآن. فقال: وأخرج يده كناري كرك، فقال: اللفظية جهمية، جهمية".
كلام أحمد في اللفظية ينطبق على الأشاعرة عند عامة الحنابلة، والأشاعرة أنفسهم يكرهون كلامه في هذا الباب.
وفي هذا الكتاب يقع ابن شاهين في إمام أهل الرأي ويذكر روايات من جنس الروايات التي في كتاب السنة لعبد الله بن أحمد.
بل في عقيدته المأثورة في آخر الكتاب يبالغ ويصرِّح أن لفظه بالقرآن غير مخلوق. وأحمد كان ينهى عن هذا ولا يطلق الخلق ولا عدمه في اللفظ لأنه حقيقة مركبة يشمل كلام الله غير المخلوق لأن الله أول من تكلم به ويشمل فعل العبد المخلوق.
ثم هو في آخر عقيدته قال هذه الكلمة: واعتقادي في ديني، وإمامي في سنتي أبو عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل، رحمه الله. وكل مذهب اعتقده أهل العلم بالسنة مما لم يبلغني فهو مذهبي.
وقد صاغ ما فهمه من عقائد أحمد التي رواها أصحابه، وغيره أخصُّ بأحمد منه مثل الخلال وغلام الخلال وعبد الله بن أحمد وابن بطة والآجري وغيره، علمًا أن عامة ما قاله ابن شاهين هو موافق لما يذكره هؤلاء! فما صنع أصحاب السوء إن كان كل ما نقلوه عن الإمام أنت تنقله؟
وفقط أخطأ ابن شاهين على أحمد في مسألة اللفظ حيث نسب إليه أنه قال لفظي بالقرآن غير مخلوق، وهذا شيخه الطبري في صريح السنة نقل عن أحمد النقل الصحيح المطابق لما في السنة للخلال وغيرها من كتب الحنابلة.
الثالث: ابن شاهين لم يكن معروفًا بالفقه ولا معروفًا بالنقد الدقيق ومعرفة العلل، وإنما هو راوية ثقة.
جاء في سير أعلام النبلاء: "قال الخطيب: وسمعت محمد بن عمر الداوودي يقول:
ابن شاهين ثقة، يشبه الشيوخ إلا أنه كان لحانًا، وكان أيضًا لا يعرف من الفقه لا قليلًا ولا كثيرًا، وإذا ذكر له مذاهب الفقهاء كالشافعي وغيره، يقول: أنا محمدي المذهب.
قال لي أبو الحسن الدارقطني يومًا: ما أعمى قلب أبي حفص بن شاهين! حمل إلي كتابه الذي صنفه في التفسير، وسألني أن أصلح ما فيه من الخطأ، فلقيته قد نقل (تفسير أبي الجارود)، وفرقه في الكتاب، وجعله عن أبي الجارود، عن زياد بن المنذر، وإنما هو اسم أبي الجارود.
ثم قال الداوودي: وسمعت ابن شاهين يقول: أنا أكتب ولا أعارض.
وكذا حكى عنه البرقاني -يعني: ثقة بنفسه فيما ينقل-، قال البرقاني: فلذلك لم أستكثر منه زهدًا فيه.
قلت: وتفسيره موجود بمدينة واسط اليوم.
وقال الداوودي: رأيت ابن شاهين اجتمع مع الدارقطني يومًا، فما نطق حرفًا.
قلت: ما كان الرجل بالبارع في غوامض الصنعة، ولكنه راوية الإسلام -رحمه الله-".
فهذا الرجل على علمه وفضله لا يمكن أن يؤخذ منه توصيف لعصابة علماء أعيان مثل أصحاب الإمام أحمد، مع ميلي لعدم ثبوت هذا عنه أصالة.
قصة النبي صلى الله عليه وسلم وبلال مع التاجر المشرك.
هذه قصة عجيبة وفيها عبرة، وقد اشتهر بين الناس لها نظائر فكان ينبغي أن تشتهر، ولكن العجيب أنها ما اشتهرت مع أنها مروية في سنن أبي دواد وصحيح ابن حبان والإسناد ظاهره السلامة!
قال أبو داود في سننه ٣٠٥٥ - حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع، حدثنا معاوية يعني ابن سلام، عن زيد، أنه سمع أبا سلام، قال: حدثني عبد الله الهوزني، قال: لقيت بلالًا مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بحلب، فقلت: يا بلال حدثني كيف كانت نفقة رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ قال: ما كان له شيء، كنت أنا الذي ألي ذلك منه منذ بعثه الله إلى أن توفي، وكان إذا أتاه الإنسان مسلمًا، فرآه عاريًا، يأمرني فأنطلق فأستقرض فأشتري له البردة فأكسوه، وأطعمه، حتى اعترضني رجل من المشركين، فقال: يا بلال، إن عندي سعة، فلا تستقرض من أحد إلا مني، ففعلت فلما أن كان ذات يوم توضأت، ثم قمت لأؤذن بالصلاة، فإذا المشرك قد أقبل في عصابة من التجار، فلما أن رآني، قال: يا حبشي، قلت: يا لباه، فتجهمني، وقال لي قولًا غليظًا، وقال لي: أتدري كم بينك وبين الشهر؟ قال: قلت قريب، قال: إنما بينك وبينه أربع، فآخذك بالذي عليك، فأردك ترعى الغنم، كما كنت قبل ذلك، فأخذ في نفسي ما يأخذ في أنفس الناس، حتى إذا صليت العتمة، رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهله، فاستأذنت عليه فأذن لي، فقلت: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، إن المشرك الذي كنت أتدين منه، قال لي كذا وكذا، وليس عندك ما تقضي عني، ولا عندي، وهو فاضحي، فأذن لي أن آبق إلى بعض هؤلاء الأحياء الذين قد أسلموا، حتى يرزق الله رسوله صلى الله عليه وسلم ما يقضي عني، فخرجت حتى إذا أتيت منزلي، فجعلت سيفي وجرابي ونعلي ومجني عند رأسي، حتى إذا انشق عمود الصبح الأول أردت أن أنطلق، فإذا إنسان يسعى يدعو: يا بلال أجب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فانطلقت حتى أتيته، فإذا أربع ركائب مناخات عليهن أحمالهن، فاستأذنت، فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أبشر فقد جاءك الله بقضائك» ثم قال: «ألم تر الركائب المناخات الأربع» فقلت: بلى، فقال: «إن لك رقابهن وما عليهن، فإن عليهن كسوة وطعامًا أهداهن إلي عظيم فدك فاقبضهن، واقض دينك» ففعلت، فذكر الحديث، ثم انطلقت إلى المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم قاعد في المسجد فسلمت عليه، فقال: «ما فعل ما قبلك؟» قلت: قد قضى الله كل شيء كان على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلم يبق شيء، قال: «أفضل شيء؟» قلت: نعم، قال: «انظر أن تريحني منه، فإني لست بداخل على أحد من أهلي حتى تريحني منه»، فلما صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم العتمة دعاني، فقال: «ما فعل الذي قبلك؟» قال: قلت: هو معي لم يأتنا أحد، فبات رسول الله صلى الله عليه وسلم، في المسجد، وقص الحديث حتى إذا صلى العتمة -يعني- من الغد دعاني، قال: «ما فعل الذي قبلك؟» قال: قلت: قد أراحك الله منه يا رسول الله، فكبَّر وحمد الله شفقًا من أن يدركه الموت، وعنده ذلك، ثم اتبعته، حتى إذا جاء أزواجه فسلم على امرأة امرأة، حتى أتى مبيته، فهذا الذي سألتني عنه.
أقول: خلاصة الخبر وتوضيح القصة أن تابعيًّا سأل بلالًا عن نفقة النبي صلى الله عليه وسلم.
فأخبره بلال أن النبي صلى الله عليه وسلم إذا جاءه مسلم وليس عنده ثياب -يعني إلا شيئًا رديئًا بالكاد يستر العورة-، فإن النبي صلى الله عليه وسلم يأمر بلال فيذهب ويقترض من بعض الناس ما يشتري به ثيابًا لهذا المسلم (ثم هم يسدِّدون إلى التجار ما يقترضون إذا جاء الله بخير).
وكان بلال يفعل هذا حتى جاءه تاجر مشرك وقال له يا بلال لا تقترض من أحد غيري، فكان بلال لا يقترض إلا من هذا التاجر بعدها.
ثم تفاجأ بلال بهذا التاجر ومعه جمع من التجار يهدد بلالًا إن لم يسدد ما عليه فإنه سيسترقه عنده ويجعله يرعى الغنم من جديد.
فذهب بلال إلى النبي صلى الله عليه وسلم واستأذنه أن يختفي عن أنظار هذا التاجر فيذهب في بعض أحياء المسلمين ممن لا يعرفهم هذا التاجر حتى يأتي الله برزق يقضى به الدين لأنه لم يكن عنده ولا عند النبي صلى الله عليه وسلم ما يقضي به دينه.
فلما كان الصباح من اليوم التالي دعاه النبي صلى الله عليه وسلم وأراه أربعة من الإبل عليهن كسوة وطعام وقال له إنها جاءته هدية من عظيم فدك وأن النبي صلى الله عليه وسلم وهبها لبلال ليقضي دينه ويتزوَّد.
فذهب بلال وسدَّد الدين من هذه الركائب (الإبل التي يوضع عليها الطعام)، فسأله النبي صلى الله عليه وسلم: هل بقي زاد شيء بعد قضائك للدين؟ فقال له بلال: نعم.
=
فقال له النبي صلى الله عليه وسلم إنه لن يدخل على أي زوجة من زوجاته إن لم يُرِحه من هذا المال!
وبقي النبي صلى الله عليه وسلم وبلال ينتظران أن يأتي مسكين ليأخذ من هذا المال، والنبي صلى الله عليه وسلم مصرٌّ على أنه لن يدخل على أي زوجة من زوجاته حتى ينفق هذا المال، وبات النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد، لم يذهب لأي زوجة من زوجاته.
حتى كان اليوم التالي، صلى النبي صلى الله عليه وسلم العشاء ثم سأل بلالًا، فقال له بلال: قد أراحك الله منه، وهنا ذهب النبي صلى الله عليه وسلم لزوجاته!
ولعلَّ علة عدم ذهابه لزوجاته وعنده هذا المال أنهن علمن بقدوم المال وربما سألنه أن يعطيهن، والنبي صلى الله عليه وسلم لا يرد سائلًا فكيف بزوجاته، وما أحب أن يعتدن التشوُّف لهذا، ورأى المساكين أحق بذلك، حتى إذا دخل عليهن وسألنه شيئًا يقول: ما عندي، قد سبقكن المساكين.
وهذا حال عجب، وتأمَّل كيف أنه يرى أن المال عبء، فيقول له بلال: قد أراحك الله منه. وهذا الحال من دلائل النبوة (لا أسألكم عليه أجرًا)، وحتى ما كان يأتيه من مال فهو يضعه في المساكين (والخمس مردود فيكم) ويُقدِّر نفقة أهله بالقوت فحسب.
أحسنتم إذ أطعتم.
قال ابن أبي شيبة في المصنف ٧١٥٩ - حدثنا وكيع، قال: حدثنا محمد بن قيس، عن علي بن مدرك، أن معاذًا لما قدم اليمن كان يعلم النخع فقال لهم: «إذا رأيتموني صنعت شيئًا في الصلاة فاصنعوا مثله»، فلما سجد أضرَّ بعينيه غصن شجرة، فكسره في الصلاة، فعمد كل رجل منهم إلى غصن في الصلاة، فكسره، فلما صلى قال: «إني إنما كسرته لأنه أضر بعيني حين سجدت، وقد أحسنتم فيما أطعتم».
أقول: هذا الخبر رجاله ثقات، وعلي بن مدرك لم يدرك معاذًا ولكنه نخعي ويروي هذه القصة عن رجال قبيلته وهذا يُحتمل.
هذه القصة هيَّجت لي أشجانًا.
معاذ قال للنخع افعلوا كما أفعل وأراد من أفعال الصلاة، ففعل فعلًا خارج أفعال الصلاة إذ كسر غصنًا ضايقه حين أراد السجود، فقام كل واحد منهم بكسر غصن مثل فعل معاذ!
فقال لهم معاذ إنه لا يُقتدى به في هذا إنما فعل ذلك لضرورة، "وقد أحسنتم فيما أطعتم" يعني أنكم تؤجرون على نيتكم الطيبة في المبالغة في الاتباع.
ذكرني قول معاذ هذا بكثير جدًّا من المتنسِّكين ممن كان على تدين ظاهر في زمن من الأزمان وكان يحافظ على السنن، وربما بالغ وسار على أمور ليست من السنة ظنها سنة.
ثم يقع له بعد ذلك ضعف عام في التدين بسبب طول العهد أو كون وقوده في التدين قد نفد، فبعضهم وقوده الأصدقاء وبعضهم وقوده مشروع حركي.
فتجده بعد ذلك يخادع نفسه بأن يقول: (اكتشفت أن الفعل الفلاني ليس واجبًا وأنني كنت متشددًا وأن الفعل الفلاني ليس حرامًا وأنني كنت متشددًا بتركه).
وتصير أحب الأبحاث إلى نفسه ما هو من هذا الضرب، ولا يقف الأمر على هذا حتى تجده يُظهِر الندم والتألم على حياته السابقة وكأنه كان يفعل الفواحش.
وكنت أقول لبعضهم: ألست تعذر القبوري والرافضي والجهمي بجهله وتأويله؟ فلماذا لا تكون أنت معذورًا في فعلك شيئًا تظنه سنة أو واجبًا وظهر أنه ليس كذلك، فأنت نيتك الطاعة ولا شك أن أجرك لن يذهب لأنك كنت قاصدًا للحق.
ولا تقولن إنني نادم على تقصيري في طلب العلم.
فلو كان هذا حقيقيًّا لرأيناك حريصًا على الطلب الآن، والذي نراه من شأنك أنك فقط تبحث في مسائل معينة، وأنت لا تلوم أهل الباطل وتعتذر لهم مع تقصيرهم الظاهر في طلب الحق.
ثم ما وجه إظهارك الندم على فعل شيء هو مستحب في قولك الآن، فالمستحب فيه أجر وإن لم يكن واجبًا، وقد رأيت بعضهم وهو يزعم أنه اكتشف أن صلاة الجماعة ليست واجبة (وكلامه فيه نظر) يتحدث وكأنه نادم على تلك الصلوات التي صلاها في جماعة، وكأن أجر المضاعفة يُثقِل ظهره!
أنت حتى لو تركت مباحًا لاختلاف الناس في تحريمه فأنت مأجور باتفاق العلماء لأن هذا هو الورع (فمن اتقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعرضه).
هذا كله إن جزمنا أن اكتشافاتك الحديثة صحيحة وليست مقودة بالهوى، فما بالك وكثير من ذلك مجرد توهُّمات.
فحتى لو كنت مخطئًا فيقال لك (قد أحسنت إذ أطعت) لأن نيتك الاتباع وفعلك اشتبه بأصل صحيح.
حقيقةُ كثير من هؤلاء أنه يفكر وكأنه لا توجد آخرة، فَلَو كان كسب مالًا من هذه "التشديدات" المزعومة لما ندم عليها، ولكنه نادم وقد كسب حسنات، أما إن الحسنات هي دنانير الآخرة.
فأين حرية الرأي؟
"يوتيوب" سيبدأ بحذف المحتوى المضلِّل عن الانتخابات الأمريكية.
بعد أكثر من شهر من الانتخابات الرئاسية الأمريكية، أفاد موقع "يوتيوب" بأنه سيبدأ بإزالة المواد المحمَّلة حديثًا التي تدَّعي تزوير عملية الاقتراع وحدوث أخطاء غيَّرت النتيجة.
وقالت خدمة الفيديو المملوكة لشركة "غوغل"، أمس الأربعاء، إن هذا يتماشى مع كيفية تعاملها مع الانتخابات السابقة، لأن يوم الثلاثاء كان الموعد النهائي لتكريس الفائز.
هذا خبر منشور في عدد من وسائل الإعلام، ولنا هنا أن نتساءل:
لماذا صحة نتائج الانتخابات الأمريكية صارت تعتبر مسألة قطعية بحيث لا يُسمَح حتى بالتشكيك فيها؟
أليس هناك حرية رأي، والفكر لا يواجه إلا بالفكر؟
لماذا لا يناقشون أدلة من يدَّعون التزوير؟
لماذا يزعمون أنهم فقط من يمتلك الحقيقة ويصادرون حق غيرهم في التعبير؟
إذا كان الناس يحتاجون لوصايتهم الفكرية فكيف يوثق بتصويت هؤلاء (القصَّر فكريًّا) للرئيس المناسب؟
هناك مئات آلاف الفيديوهات ذات المحتويات المضلِّلة تجاه الثوابت الدينية وهناك فيديوهات تسخر فقط بطريقة تسيء للعقائد دون أي أدلة وهذه المنصات تحتضنها تمامًا، وفي كثير من الأحيان بل في أكثرها لا يحفلون حتى بالبلاغات ضدها.
هذا فقط يُبيِّن لك أن شعارات القوم يستخدمونها فقط لإرهابك، وإلا فهم أنفسهم لا يمكنهم تطبيقها.
لو كان الفائز يمينيًّا لاحتضنوا محاولات التشكيك وقالوا عنها: حرية رأي. ولطالبوا بمناقشتهم بالأدلة، ولقالوا: التشكيك في نزاهة المشرفين على العملية الديمقراطية ليس تشكيكًا في الديمقراطية نفسها، وعلينا ألا نضفي القداسة على الأشخاص فهم بشر معرَّضون لأي شيء، فكما أن الإنسان قد يُتَّهم بالتزوير اتهامًا باطلًا فهناك من قد يزوِّر.
واللطيف أن نفاة التزوير يستدلون بمجموعة من الضمانات والقرائن الدالة على صحة العملية وصعوبة التزوير فيها أو أنه لو تم تزوير فهو يسير وغيرها من المعطيات التي يستخدم المحدِّثون نظائرها وأشد منها أثناء النقد الحديثي للتأكد من صحة الأخبار!
وحتى إن قالوا إن التشكيك له نتائج كارثية فسيقال عند المقتنعين بالتزوير إن السكوت عن التشكيك له نتائج كارثية. فمهما لفننا ودرنا هذه الممارسة مبنية على اعتقاد وجود حق مطلق وأنهم حصلوه وأن من يخالفهم إما صاحب هوى أو مغفل ولهذا فهو لا يستحق أن يُسمع له بل يعاقب على نشر رأيه وغيرها من المعطيات التي لو اعتقدها صاحب دين لقالوا عنه متعصب أو دوغمائي.