طلب الثواب العاجل أصل الفتور واستهوان النعم العظيمة
طلب الثواب العاجل أصل الفتور واستهوان النعم العظيمة
من أهم الأمور التي تجعل بعض الدعاة يتوقَّفون عن الدعوة طلبهم للثمرة العاجلة، خصوصًا عند مقارنة أنفسهم بغيرهم.
وأيضًا من عوام المسلمين من يكون أفتن شيء له إن رأى نعمة يتمناها بيد كافر أو فاجر.
وخصوصًا مع انتشار فكرة "الفردوس الأرضي"، أي وجود نمط حياة في هذه الدنيا يجلب كل المصالح الممكنة ويدرأ كل المفاسد في آن واحد، وهذه الفكرة الخيالية التي يروِّج كثير من وسائل الإعلام والمثقفين لكونها حاضرة في النموذج الغربي، مع انتشار هذه الفكرة تضاعف هذا البلاء.
وفِي القرآن علاج هذا بأوجز لفظ وأبلغه، ففي قوله تعالى: {أَمْ تَسْأَلُهُمْ خَرْجًا فَخَرَاجُ رَبِّكَ خَيْرٌ ۖ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ}.
قوله: "فخراج ربك خير" يعني ثواب ربك لك خير مما سيعطونك إياه لو سألتهم، وفِي هذا أبلغ موعظة لكل داعية استثقل المضي في الطريق لأنه لم ينل الثواب العاجل من شهرة أو تقدير أو مال أو حتى نتيجة يراها في الواقع لما ينشره أو يعلِّمه، فكل ذلك ثواب الله خير منه. وثواب الله ليس مقتصرًا على الآخرة، فالمرء يجد من صفاء النفس ولذة المناجاة والذكر واستهوان مصائب الدنيا ولذة المحبة في الله وغيرها من المعاني ما هو من النعيم المعجَّل، وما عند الله خير.
وكذلك المسكين الذي يستقلُّ ما هو فيه من نعمة تشوُّفًا لما في أيدي الناس، سواء كانوا أتقياء أو فجرة أشقياء، يقال "فخراج ربك خير"، ما عند الله من الثواب خير. ومن كانت نعم الله في الدنيا لم تقربه من الله فذاك مغبون ومآله لا يسرُّ. وتأمَّل أن البشر لا يوجد أحد فيهم استجمع النعم كلها، ولا استدفع النقم كلها، بل كل واحد منهم عنده شيء من النعم والنقم، وهذا حال الدنيا، وبحسب عقيدتك وأولوياتك تُقدِّر نعمتك، وبحسب فهمك للأمور وتدبرك، فَلَو ذهب سمعك كم ستدفع في إرجاعه، ولو ذهب بصرك كذلك. وهكذا تدبَّر في عامة ما في بدنك من النعم، هذا غير النعم المتعلقة بالإيمان وسلامة العقل، تعلم الأمر على وجهه.
وليس معنى هذا ألا تطلب الخير المباح، بل اطلبه ولكن على جهة مشاهدة إنعام الله، فإن حصَّلته كان خيرًا على خير، وإن لم تُحصِّله تذكَّر أن ما عند الله خير، ولا أحد يستجمع الخير كله هنا في هذه الدنيا.