ذلك مقتضى الامتحان فلا تجزع
ذلك مقتضى الامتحان فلا تجزع
الجزع من الخلاف العقائدي من الظواهر العصرية، وأعني بالجزع التذمر منه، والتساؤل عن وسيلة لانهاء الخلاف أو إنهاء آثاره من حصول تباغض وتهاجر، وما هو أعظم من ذلك.
الدعاية العالمانية ترتكز على أنها قادرة على إنهاء آثار الخلاف العقائدي أو إنهائه بالكلية (وذلك عن طريق فرض عقيدتهم هم أو آثارها!).
الناس الجازعون من هذا الأمر ربما تجدهم متقبلين لوجود الأمراض، والخلافات السياسية، وتفاوت الناس الاقتصادي، باعتبار أنها سنة الحياة أو شر لا بد منه.
الجازعون على أنواع: منهم من يجزع من الخلاف العقائدي بين أهل الأديان، ومنهم يجزع من الخلاف الإسلامي الإسلامي فحسب ويراه معطلاً عن الغايات العظمى التي ينبغي أن تشغل عقل وجهد الإنسان المسلم (ولا يخفى على الناظر وقوع تأثر بين الطرفين على تفاوت واقعهما).
الدعاية العالمانية تغفل عن حقيقة الدين، وتفترض أنه مجرد فلسفة بشرية تبشر بخير دنيوي لعموم الناس آمنوا به أو كفروا، وتتم محاكمة الدين على هذا الأساس، وبالتالي يزعمون اكتشاف ثغرات تقتضي الإصلاح، ومن هنا يأتي الحديث عن إصلاح الخطاب الديني.
وعدد من الجازعين يقع في نفوسهم اتهام للبينات الشرعية، فيرون أن الناس ما داموا مختلفين فهذا معناه أنه لا يوجد حق وباطل، وبالتالي علينا تجاوز الأمر.
اقرأ معي هذه الآية التي فيها الجواب عن كل ما سبق: {تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد}
تأمل قوله تعالى: {ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر} ففيه الشفاء.
فالله عز وجل يذكر القتال وهو أعلى درجات الخلاف، وأنه لو شاء لمنعه سبحانه، ولكن مقتضى الاختبار في هذه الحياة الدنيا أن يسمح بوجود الكفر ووجود الإيمان، وأن يقع الصراع بين أهل الإيمان وأهل الكفر، ويكون ذلك من ضمن اختبار أهل الإيمان. والصراع قد يصل في درجة من درجاته إلى الاقتتال {فمنهم من آمن ومنهم من كفر}
وتأمل قوله: {من بعد ما جاءتهم البينات} وكأنها إشارة أن اختلافهم لم يكن سببه عدم وجود أدلة بل الأدلة حاضرة، ولكن الهوى والكبر والتقصير في طلب الحق والعناد كل ذلك حاضر.
وذكر عيسى فيه عبرة، فإن وجود تحريف للدين في الأمم السابقة يجعلنا لا نستبعد وجوده في أمتنا، ولهذا افتراق الأمة حين ذكر في حديث الافتراق تم التذكير بالافتراق الذي وقع لليهود وللنصارى.
أرأيت لو أن الطائفة المحقة من النصارى أرادت الرد على الطوائف التي حرفت فجاء متذمر من الخلاف وغضب، وقال أنهم يواجهون الأمم الوثنية فلا يصلح مثل هذا، أتراه ناصحاً أم غالطاً؟
علماً أن كثير من خلافيات الأمة لم تصل إلى الكفر والإسلام، ومع ذلك فيها حق وباطل والبيان فيها متعين، وأنا هنا أقصد الرد على الجازعين من الخلاف بمختلف درجاتهم.
فالدنيا وجدت لتحقيق اختبار العبودية، فالدنيا وسيلة والعبودية بمختلف جهاتها غاية ومنها عبودية المراغمة فكيف تترك الغاية لأجل الوسيلة، ولهذا كان تمام الأمر أن في هذه الدنيا حياة وموت ثم هناك آخرة يحاسب فيها الناس على أساس عبودياتهم.
وليس معنى هذا أن ليس في الدين مراعاة لمصالح العباد الدنيوية فهذا لا يقول به أحد، غير أن المصلحة المبنية على تحريف الدين بالكلية أو إنكار بعض ضرورياته إما متوهمة ومستحيلة الوقوع كحلم السلام العالمي، أو ما يترتب عليها من شر أعظم مما يترتب عليها من خير هذا من مقتضيات إيمانك بأن الله عز وجل هو العليم الحكيم.