ساعة الفلج الأعظم (موعظة المناظرات).
ساعة الفلج الأعظم (موعظة المناظرات).
على ذكر المناظرات هذه الأيام، كل مناظرة تراها أمامك بمجرد حصولها ينبغي أن يتقرر عندك أصول عظمى تنقض الحداثة ودعوى نسبية الحقيقة وعدم الحاجة إلى النبوات أو أثر الإيمان بالآخرة على الفضائل، إذا تناظر اثنان في أي موضوع فإنهما يقران ضمناً بالتالي:
أولاً: هناك حقيقة ويمكن الوصول إليها أو تجليتها للناس ولو كان الأمر نسبياً ما أفاد حوارنا شيئاً.
ثانياً: مقدرة البشر على إدراك الحقيقة لا يعني أن عقولهم كاملة تمام الكمال وما دام المرء محتاجاً إلى من يوضح له الحق أو يدحض له الباطل مع كونه عاقلاً فالنبوات الحاجة لها ظاهرة فالنبي يوضح الحق الغامض ويعظ المعاند.
ثالثاً: الكل يعترف بوجود عناد ومكابرة ومغالطات وعامة من يرى نسبية الحقيقة بمعنى أنه إذا وجد خلاف فهذا معناه أن المسألة غامضة مطلقاً كل من يقول بهذه النسبية يتناسى وجود العناد والمكابرة والتقليد على الباطل أو التقصير في طلب الحق (وبني على الاعتقاد استنكار حد الردة وخلود الكفار في النار وغيرها المعاني الشرعية)
رابعاً: الكل يرى بعينيه أن هناك من يمارس التدليس والمغالطة والعناد والسفسطة ولا يوجد قانون في هذه الدنيا يحاسب على هذه الأمور بل تنتهي المناظرة ويزعم كل فريق أن صاحبه فلج ، غير أن فلج حقيقة يكون لأصحابه فرحة حقيقية ولكن هذه الفرحة ستكون لا قيمة لها أو قيمتها ضعيفة إن لم نؤمن بالآخرة فإن رب العالمين سيكافيء أهل الحق على ما أظهروه من الحق وما جاهدوا به أهل الباطل وسيعاقب أهل الباطل على نصرتهم للباطل بالكذب والتدليس والمغالطة.
قال تعالى: {فالله يحكم بينهم يوم القيامة فيما كانوا فيه يختلفون}.
وإلا فكل الحجج لا يمكنها أن تزيل العناد أو المكابرة أو السفسطة وعليه من لا يؤمن بالآخرة قد يسفسط ويكابر ويعاند وهو مرتاح الضمير لأنه ليس عنده حمولة أخلاقية بل هواه يدفعه إلى إنكار وجود آخرة لعلمه أن وجودها يعني هلاكه، ومنهم من يناظر على الغايات الدنيوية فهو يبحث عن مكانة دنيوية وشهوات فلا يهمه الحق والباطل بقدر ما يهمه إرضاء طائفة معينة يأتيه منهم منافع معلومة
والبروتستانتي الذي يؤمن أنه بمجرد الإيمان بصلب المسيح يحصل له التبرر سيكون ورعه عن الكذب والمغالطة ضعيفاً ويقول في نفسه لا بد أن يكون لهذا جواب ولكنني الآن أكتفي بهذه المغالطات لكي لا يظهر للناس أنني غلبت
قال تعالى: {قال تالله إن كدت لتردين (56) ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين (57) أفما نحن بميتين (58) إلا موتتنا الأولى وما نحن بمعذبين (59)إن هذا لهو الفوز العظيم (60) لمثل هذا فليعمل العاملون}.
هنا خطاب مؤمن لكافر يراه في نار جهنم وهذا الكافر كان يشوش عليه في الدنيا ويلقي عليه الشبهات فيفرح المؤمن بالفلج الأعظم حيث لا يعود هناك أي مجال للمكابرة والسفسطة حين ينال المحق ثوابه وينال المبطل عقابه
هذا الفرح الذي كان من البعض في بعض مناظرات أهل الإسلام لأهل الباطل لا يقارن نهائياً بالفرح الذي سيكون في تلك الساعة التي ذكرت في القرآن.
ثم قال سبحانه {لمثل هذا فليعمل العاملون} أي لمثل هذا الفوز العظيم ومنه هذه الساعة ساعة الفلج الأعظم وهكذا ينبغي على أهل الإسلام ألا تلهيهم المناظرات عن الازدياد من العمل الصالح فغاية ما يطلبونه منها من الفلج من عمل صالحاً سيناله على أحسن ما يكون
فاليوم الكثير من الناس يحبون الردود على الشبهات والمناظرات وفي ذلك نفع للخلق بحسبه إن كان على الاستقامة ولكنهم لا يقومون بواجب ما عرفوه من الحق من الازدياد من العلم النافع والعمل الصالح
ومنهم من يناظر الملاحدة أو النصارى أو الروافض ويتعود على غلبتهم فتصير عنده عادة الكلام بثبوتية حتى في خلافياته مع أهل الملة والتي تكون معرفته فيها دون معرفته بالردود على هؤلاء بكثير ويكون مخالفوه أجل قدراً وأعظم خطراً
وأخطر من ذلك كله تتبع (الترندات) فلا أحد يطالبك أن تكون منعزلاً عن الواقع بالكلية ولكن لا تعزلك (الترندات) عما ينبغي عليك من العلم النافع والعمل الصالح
قال تعالى: {ولقد نعلم أنك يضيق صدرك بما يقولون (97) فسبح بحمد ربك وكن من الساجدين}.
فهذا الإرشاد الإلهي لمن ضاق صدره بمغالطات المخالفين وكذبهم وتدليسهم أن يستعين على ذلك بالصلاة وذكر الله عز وجل وليس فقط تعديد المعلومات وذلك أن الصلاة تذكرك بغايتك من الخلق فما خلقت إلا للعبادة وأعلى البدنية الصلاة وهذا يربطك بالآخرة وفي الآخرة ساعة الفلج الأعظم الذي كل من تذكرها ذهب ما في نفسه من غيظ إذا رأى المكابرات والتدليسات والتشويش.