كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

المساحة الحرجة الكاشفة

المصدر
المساحة الحرجة الكاشفة جاء في الآداب الشرعية لابن مفلح :" وقال أيضا: إذا أردت أن تعلم محل الإسلام من أهل الزمان فلا تنظر إلى زحامهم في أبواب الجوامع، ولا ضجيجهم في الموقف بلبيك، وإنما انظر إلى مواطأتهم أعداء الشريعة، عاش ابن الراوندي والمعري عليهما لعائن الله ينظمون وينثرون، هذا يقول: حديث خرافة والمعري يقول: تلوا باطلا وجلوا صارما ... وقالوا صدقنا فقلنا نعم يعني بالباطل كتاب الله عز وجل. وعاشوا سنين وعظمت قبورهم واشتريت تصانيفهم، وهذا يدل على برودة الدين في القلب. وهذا المعنى قاله الشيخ تقي الدين بن تيمية - رحمه الله تعالى" أقول : هذا الكلام مشهور جداً بين طلبة العلم ومعلوم المقام الذي ينزل عليه في العادة غير أنني سأتحدث عما لا يتحدث عنه الأخوة في العادة في أمر تدين الناس بالإسلام يكون هناك تدين مشترك بين كل المنتسبين للملة أو غالبهم يشعر المرء فيه أنه إن لم يفعل ذلك فإنه ليس بمسلم حق ، كمثل إظهار الصيام في رمضان والتحرز من أكل لحم الخنزير في زماننا فهذا المعنى يشترك فيه المصلي وغير المصلي وهناك مساحة أضيق يظهر فيها تدين البعض على غيرهم مثل الحفاظ على الصلوات والتحرز من أكل الربا وهناك مساحة حرجة أكثر وهي التي يظهر فيها الحفاظ على الجماعة والالتزام بالزي الشرعي خصوصاً للإناث وضبط الألفاظ بالبعد عن القذف مثلاً وغيرها من المعاني إذا ذهب الإنسان للغرب حيث ستكون الخمور في كل مكان واللحوم غير الحلال في كل مكان والصيام مجهد من تتوقع سيكون أكثر عرضة للإنحراف وترك مظاهر التدين ، لا شك أن صاحب المساحة التدينية الواسعة المشتركة هو المرشح لذلك أكثر من غيره ممن كان عنده مساحة تدين فيما أسميه بالمنطقة الحرجة الكاشفة ، نعم صاحب المساحة الضيقة الكاشفة أيضاً معرض للانتكاس ولكن النسبة في الطرف الآخر أكبر ، لأن الطرف الاخر كانت حقيقة تدينه مجتمعية ( لهذا تجدهم أحرص على الصيام من الصلاة والصلاة أعظم ) فلما تغير المجتمع سهل تغيره أيضاً بيد أن الطرف الآخر كانت عنده مساحة من التدين غير المجتمعي لذا مناعته أقوى وقد تأتي فتنته من أبواب أخرى المفاجأة أن هذا الأمر لا يسقط على العامة فحسب بل يسقط على البحث العلمي وعلى توجهات الأشخاص وعقائدهم ومناهجهم فعلى سبيل المثال في باب التعامل مع التراث : هناك من يظهر تعظيم التراث في قطعياته الظاهرة في القرآن والسنة ويظهر تعظيم علوم الإسلام مثل أصول الفقه وأصول الحديث ومنهم من يحمل شهادة علمية توجب عليه مثل هذا فهذه مساحة واسعة مشتركة بين عموم المتخصصين الشرعيين ولكن هناك مساحة ضيقة حرجة يظهر فيها واقع المرء هل هو متأثر بالثقافة السائدة أم لا هل هو متبع لهواه أم لا ، ألا وهي مساحة المسائل الشرعية التي فيها بعض درجات الخلاف أو توهم الخلاف ، أو المسائل الاتفاقية ولكنها ليست واضحة لعموم الناس وإنما تتضح للخاصة وفقاً لمناهج علمية دقيقة وخذ مثالاً ما يحصل عند الحديث على مسألة تهنئة الكفار بأعيادهم ، أو مسائل التصحيح والتضعيف في أحاديث خارج الصحيحين فهنا تجد كثيراً من المشتغلين يكون المرجح الحقيقي عنده في المسائل احتكامه للثقافة الغالبة أو الهوى الشخصي والذي في الغالب يكون ناشئاً عن تربية مجتمعية حتى في كثير من المشاريع الحركية بصمة المجتمع عليها واضحة والمجتمع نفسه بصمة آثار العصر الذي هيمنة ثقافة الغرب عليه واضحة أيضاً ولكي لا يكون الأمر مجرد دعاوى تأمل في مسألة ( الحكم على المخالف ) لا تجد إمامياً ولا معتزلياً ولا أشعريا ولا ماتردياً ولا سلفياً في الغالب إلا ما ندر كلامه يطابق كلام المتقدمين من أهل مذهبه في الحكم على المخالفين ولا يمكن أن يكون هذا كله عن أبحاث علمية محايدة بل بصمة العصر واضحة فحتى المتمذهبين باب حكم المرتد في كثير من أجزائه معطل عندهم ، ثم تجده ينعى على غيره عدم الالتزام بالمذهب ، فالذي كتب كتاب ( بدعة اللامذهبية ) معلوم أنه بآخره أنكر جهاد الطلب وكلمت بعض تلاميذه فوجدته ينكر حد الردة ويخبر أَن هذا مذهب شيخه وحتى أنك لتجد كثيراً من النقد الموجه للسلفية المعاصرة هو نقد بمسحة ليبرالية وتحاكم للأصول الإنسانوية ولكن بقناع فتجده يبحث عما يستقبحه العامة بناء على تأثرهم بالأصول الإنسانوية ويبرزه وإنك لترى العجب في هذا الزمان فتجد المرء يتغنى بأئمته وسادته العلماء وينتسب إليهم وربما أقام المجالس في تعديد مناقبهم ثم هو إذا جاء شخص وقال ببعض مقالاتهم في الأحكام على المخالفين وجدته ينفر منه أشد التنفير ويلحقه بكل نقيصة =