=
=
وقال ابن المدينى: "عنده عشرون ألف حديث ـ يعنى ما لها أصل".
و قال فى موضع آخر: "ليس هو بموضع للرواية ، و إبراهيم بن أبى يحيى كذاب، وهو عندى أحسن حالا من الواقدى".
هذا بعض كلام الأئمة في الرجل، فهل يصلح أن يأتي إنسان بكلام المعدلين للرجل ويترك الجارحين، ويسب من يأخذ بجرحه ويتحدث عن الواقدي إمام المغازي الذي له كتب عظيمة جداً في السيرة والمغازي! وهو شيخ ابن سعد صاحب الطبقات ذلك الكتاب الذي يعتبر من أقدم المصادر في تأريخ الإسلام! (وكان ابن سعد ثقة، ويروي عن الواقدي، وعن غيره)
وهؤلاء المعدلون للواقدي أئمة وثقات، ومارسوا الرواية، وزمنهم قريب من زمنه، ومنهم من التقاه، ومع ذلك ما قابل تعديلهم جرح الأئمة، فكيف بتعديل متأخر في مقابل كلام عامة المتقدمين! هذا إن سلمنا أن المتأخر يمدح بشكل مطلق، وليس مدحاً مقيداً بسياق معين لا يعارض الذم والطعن في سياق آخر.
وخذ مثالاً آخر:
قال أبو زرعة الدمشقي في تاريخه: "حدثني أحمد بن صالح قال: قلت لابن وهب: ما كان مالك يقول في ابن سمعان؟ قال: لا يقبل قول بعضهم في بعض".
هنا ابن وهب رفض كلام الإمام مالك في ابن سمعان، وكان يروي عنه مع احترامه ومحبته للإمام مالك وعلى لسان بعض أهل العصر ابن وهب هنا (أنصف ابن سمعان) والحقيقة أن ابن وهب هو الذي ما قبل الناس قوله لأن كلام مالك في ابن سمعان تابعه عليه عامة الأئمة، واتهموه بالكذب كما اتهمه الإمام مالك.
ومن الناس من يأتي بكلام مالك في ابن إسحاق ويقول أن الأئمة ما قبلوه، علماً أن هناك من حمله على جرح في العقيدة، وهذا قبله كثيرون، ولكن هؤلاء الأئمة أنفسهم قبلوا كلام مالك في إمام أهل الرأي وابن سمعان وغيرهم، فهل تتعقبهم بقياس قولهم؟
وهنا مثال آخر:
"قال البرقاني: سألت الدارقطني عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة، فقال: قال يحيى بن معين كذاب، وقال فيه أحمد، يعني ابن حنبل نحو هذا.
قال أبو الحسن الدارقطني: وعندي لا يستحق الترك".
هنا الدارقطني رحمه الله يتعقب الإمامين الكبيرين أحمد ويحيى بن معين في اتهامهما الشيباني صاحب أبي حنيفة بالكذب ويقول (عندي لا يستحق الترك) في لسان بعض المعاصرين هنا الدارقطني أنصف الشيباني، وكأن الإمامين ظلماه وحافا عليه.
واليوم تجد بعض الناس يبالغ في وصف بعض الاختيارات العلمية بالإنصاف تشهياً، ويزيد في ذلك حتى يتوهم الشادي في العلم أن القول الآخر ظلم بين، وهذا نظير من يأخذ في الثناء على فتاوى شيخ الإسلام في الطلاق بشيء من المبالغة التي تتضمن التعريض بمن خالفه من الفقهاء الكبار من أئمتنا المتقدمين، أئمة أهل الحديث. وهذا لا ينبغي؛ فهذا الكلام وإن كان ظاهره الإشادة بأهل العلم إلا أن باطنه الإساءة لمن هو أجل منهم من العلماء.
ولو سألتني لقلت لك أنا لقول الإمامين أحمد ويحيى أميل، وذلك أنهما كانا تلميذين عند الشيباني، فهما أعرف به، وقد أثنيا على زميله أبي يوسف ووصفاه بالصدوق، فعلم أن الأمر ليس من باب التحامل، علماً أن يحيى كان من ألين أهل الحديث جانباً مع أهل الرأي.
وقال ابن فضل الله العمري في مسالك الأبصار لما ترجم لابن عربي صاحب وحدة الوجود: "قال الحافظ أبو عبد الله الذهبي: حدثني شيخنا ابن تيمية الحراني، عن جماعة حدثوه، عن أبي الفتح ابن دقيق العيد، أنه سمع الشيخ عز الدين بن عبد السلام يقول في ابن العربي: هذا شيخ سوء، كذاب، يقول بقدم العالم، ولا يحرم فرجا.
وحمل بعض تصانيفه إلى شيخنا ابن الفركاح فتأملها، ثم قال: الذي فهمته من كلامه مليح لا انتقاد عليه فيه، والذي لم أفهمه لا أحكم عليه فيه بشيء.
وحكي مثل هذا عن الشيخ الموفق.
وسئل عنه ابن الفركاح فقال: أرجو أن يكون من أهل الخير.
وسئل عنه قاضي القضاة البارزي، فقال: كان من العلماء.
وسألت عنه شيخنا ابن الزملكاني، فقال: صح أنه مسلم، ولم يصح غير ذلك".
فهؤلاء الذين أثنوا على ابن عربي وحكموا بإسلامه قولهم ليس صحيحاً ولا يقال أنهم (أنصفوا) بل كان ابن تيمية يشدد جداً على من يدافع عن الرجل أو يتأول كلامه بعد معرفته، ووافقه على ذلك جمع غفير جداً.
وقال السيوطي في كتابه في أبوي النبي صلى الله عليه وسلم: "ونقول كما قال النووي لما سئل عن طائفة ابن عربي {تلك أمّة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسئلون عما كانوا يعملون} (البقرة، 134)".
وهذا الكلام وإن كان ظاهره الورع إلا أنه لا يفي بالغرض، فابن عربي رجل كتبه فاشية وقد افتتن به خلق، والذين تكلموا فيه تكلموا على النصح للأمة، وعليه فالأخذ بأخف الأقوال في المتكلم فيه لا يكون دائماً محل مدح، بل قد يكون محل ذم أو محل اعتذار بسلامة الصدر، أو عدم البحث والتحقيق في شأن الشخص بشكل كامل.