كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

الآية التي قطعت جذور الشرك والتعطيل..

المصدر
الآية التي قطعت جذور الشرك والتعطيل.. قال تعالى: {يسأله من في السماوات والأرض كل يوم هو في شأن}[الرحمن]. هي الآية على وجازتها فيها التنبيه على أصول جامعة في نقض كلام المشركين والفلاسفة والمتكلمين. فأصل ضلالة المشركين أنهم يزعمون أن مخلوقات مثلهم تنفعهم إن دعوها، ومنهم من يزعم أنه ليس أهلاً لدعاء الله بشكل مباشر فلهذا يدعو الأولياء أو الأنبياء أو الملائكة أو الأصنام. فنبه على نقض هذا الأصل بأن كل بني آدم يدعون الله عز وجل، فالمسلم يدعوه على كل حال، وما أكثر ما يستجيب سبحانه. وأما المشرك فينسى شركه عند أشد المواطن فيدعو الله {فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين فلما نجاهم إلى البر إذا هم يشركون}[العنكبوت]، وإذا كان سبحانه يجيب دعاء من أشرك به فكيف يزعم المنتسب للملة أنه يدعو الأولياء لأنه لا يصلح أن يدعو الله مباشرة. بل حتى الملاحدة تصدر منهم الاستغاثات بشكل فطري في الملمات، وما كان الله عز وجل ليفطرهم على هذا وهو سبحانه يريد ادخار الإجابة عنهم غير أن المشرك له في ذلك عبرة، فما دام يدعو في الملمات ويوحد فما باله يشرك في الرخاء فالله يسمعه على كل حال. ورب العالمين لما نهى المشركين عن الشرك ما أمرهم بدعاء الأنبياء فيقولوا (يا إبراهيم أو يا محمد) بل أمرهم بدعاء الله وحده بأسمائه الحسنى التي عددها لهم، وما عددها لتتركها وتستغيث بالبدوي والرفاعي والجيلاني. وذكر سبحانه أن أهل السماء يدعونه حتى لا يتوهم إنسان استغناء مخلوق عن دعاء ربه فيذهب يدعو هذا المخلوق، بل كل الخلق يدعون الخالق إذا انقطع بهم الرجاء من المخلوقات، وأهل السماء أعلم الخلق بربهم بعد الأنبياء. والدعاء في أصله تنبيه على عجز الخلق، فما من مخلوق إلا ويستشعر العجز في بعض المواطن من حياته ويلجأ لتمني أن تكون الظروف معه بعدما زالت الحيل، وهنا يجأر كثير منهم بالدعاء، ولهذا الملمات دروس في التوحيد والرجوع إلى الله وتذكر المآل إلى الله. وفي ذكر أهل السماء تنبيه فأهل السماء يسألون رب العالمين الرحمة، والمرء منا قد لا يتذكر الدعاء إلا في أمر الرزق وكشف المصائب، وينبغي أن يكون دعاؤه بهذه الأمور مذكراً له بالدعاء بالمغفرة، فذلك أنفع له من كل شيء يطلبه في الدنيا، وما دام فتح باب الدعاء لينتقي أعلاه. قال ابن أبي زمنين في تفسيره: "{يسأله من في السماوات والأرض} يسأله أهل السماء الرحمة، ويسأله أهل الأرض الرحمة والمغفرة والرزق وحوائجهم، ويدعوه المشركون عند الشدة، ولا يسأله المغفرة إلا المؤمنون". تأمل كلام ابن أبي زمنين وما فيه من التنبيه على المعاني التي ذكرتها لك. ثم قوله {كل يوم هو في شأن} نقض على أهل الكلام النافين لأفعاله الاختيارية، وعلى هذا بنوا قولهم بخلق القرآن لأن الله عندهم لا يفعل، ويفسرون الأفعال بالمفعولات، والآية ناقضة عليهم إذ قال {هو في شأن} ولم يقل {هم في شأن} فأرجع الأمر إلى نفسه سبحانه وتعالى. فتأمل كيف أن هذه الآية في أولها تنقض الشرك وفي آخرها تنقض التعطيل.