الزمخشري واستشكال آية اختصام الملأ الأعلى ...
الزمخشري واستشكال آية اختصام الملأ الأعلى ...
قال تعالى : {ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون (69) إن يوحى إلي إلا أنما أنا نذير مبين}[ص].
هذه الآية فسرها جماعة من السلف باختصام الملائكة في شأن آدم.
قال الطبري في تفسيره حدثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباس، قوله (ما كان لي من علم بالملإ الأعلى إذ يختصمون) قال: الملأ الأعلى: الملائكة حين شووروا في خلق آدم، فاختصموا فيه، وقالوا: لا تجعل في الأرض خليفة.
حدثنا محمد، قال: ثنا أحمد، قال: ثنا أسباط، عن السدي (بالملإ الأعلى إذ يختصمون) هو: {وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة}[البقرة]
أقول: حين يقرأ شخص هذه التفاسير ونظائرها قد يبدو له أن في الآية إشارة إلى إثبات صفة العلو لله عز وجل، وإثبات صفة الكلام له سبحانه.
فإن قلت: كيف هذا؟
فأقول لك: ما وجدت أحداً يعبر عما في نفسي تجاه هذه الآية مثل الزمخشري الذي اعتبرها مشكلة على عقيدته في نفي العلو ونفي صفة الكلام الاختياري، قال في الكشاف (4/ 104): "فإن قلت: ما كان التقاول بينهم إنما كان بين الله تعالى وبينهم، لأن الله سبحانه وتعالى هو الذي قال لهم وقالوا له، فأنت بين أمرين: إما أن تقول الملأ الأعلى هؤلاء، وكان التقاول بينهم ولم يكن التقاول بينهم وإما أن تقول: التقاول كان بين الله وبينهم، فقد جعلته من الملإ الأعلى. قلت: كانت مقاولة الله سبحانه بواسطة ملك، فكان المقاول في الحقيقة هو الملك المتوسط، فصح أن التقاول كان بين الملائكة وآدم وإبليس، وهم الملأ الأعلى. والمراد بالاختصام: التقاول على ما سبق"
أقول: الزمخشري هنا يقول أنه إذا كان ظاهر تفاسير السلف أن التقاول كان بين الله وملائكته فهنا يكون الله عز وجل تعالى هو أعلى الملأ الأعلى كما يعتقد أهل الحديث أنه سبحانه فوق كل شيء ولا شيء فوقه، ويروون في ذلك الحديث الثابت: (ومن ذكرني في ملإ ذكرته في ملإ خير منه) فهذا هو الملأ الأعلى وهذا ظاهر الآيات التي تذكر أن الملائكة عند الله فهذه عندية قرب.
ولا يقال (فلان اختصم مع فلان) إلا إذا كان كلاهما متكلم وأن الملائكة سمعوا كلام الله عز وجل وهذا الكلام له بداية ونهاية وهذا كله تأباه المعتزلة وتأباه معهم الأشعرية.
ونجد الرازي أيضاً في تفسيره يستدل بهذه الآية على ترك التقليد وأن الملائكة طلبوا الحكمة من الله عز وجل في خلق آدم! علماً أن إثبات الكلام المسموع من الله للملائكة وإثبات حكمة تطلب كل ذلك خلاف أصول الأشعرية ولكنه يتأول الأمر.
ليخرج الزمخشري من هذا الإشكال زعم أن الله عز وجل كلم الملائكة من خلال ملك منهم!
وما تمحل هذا التمحل إلا لعلمه بأن ظاهر القرآن على خلاف مقالته، ويقال جواباً على تأويله العجيب:
الملك الذي أخبره الله عز وجل هل أخبره بكلام بحرف وصوت؟ قطعاً سيقول لا.
إذن الله عز وجل ألهمه إلهاماً فلماذا لم يلهم بقية الملائكة كذلك وينتهي الأمر، ثم إن الإلهام فعلٌ متعدٍ وكل بني آدم لا يعرفون فعلاً متعدياً إلا ويسبقه فعل لازم قائم بذات الفاعل، فثبت أن الآية مؤيدة لعقيدة أهل السنة في الصفات وهاتان أعظم صفتين،
لأن صفة العلو فيها تحقيق وجود الله عز وجل حقاً، فإن ما لا يشار إليه هذا لا يكون موجوداً حقيقةً ونفيهم لرؤيته فرع عن نفيهم لعلوه، وما لا يشار إليه ولا يُرى بحالٍ هذا عدم.
وأما صفة الكلام فحقيقة الوحي أنه كلامٌ من الله لخلقِه، لذا ينبغي أن يقدموه على كل مخلوق.
وحين ننقم على الملاحدة أنهم ينفون السببية، أو يثبتون صفة فعالة، أو مفعولاً بلا فاعل وفعل، ونقول هذه سفسطة، فكذلك قول الجهمية أن الفعل هو المفعول هي سفسطةٌ عظيمة، أدَّتهم لتحريف النصوص واعتبار ظاهرها كفراً أو تشبيهاً وهذا من أعظم البلاء.