كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

برهان جديد على تجرد الفقهاء من سطوة السلاطين...

المصدر
برهان جديد على تجرد الفقهاء من سطوة السلاطين... قال أبو داود في سننه: باب في الجاسوس الذمي: 2652 - حدثنا محمد بن بشار، حدثني محمد بن محبب أبو همام الدلال، حدثنا سفيان بن سعيد، عن أبي إسحاق، عن حارثة بن مضرب، عن فرات بن حيان، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بقتله وكان عينًا لأبي سفيان، وكان حليفًا لرجل من الأنصار فمر بحلقة من الأنصار، فقال: إني مسلم. فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله، إنه يقول: إنى مسلم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن منكم رجالًا نكلهم إلى إيمانهم، منهم فرات بن حيان». أقول: لعل سائلًا يسأل: ما علاقة التبويب بالحديث؟ علاقة التبويب بالحديث أن الحديث فيه أن فرات بن حيان كان جاسوسًا لأبي سفيان، فلما قبضوا عليه قال لهم: إني مسلم. مما جعل النبي صلى الله عليه وسلم يعدل عن قرار قتله. ومفهوم هذا أن الجاسوس إذا كان غير مسلم ذميًّا كان أو غير ذمي فإنه يقتل. ومما يدل على هذا المعنى الذي فهمته ما قال غلام الخلال في زاد المسافر (٣/١١٥): باب القول في الجاسوس يؤخذ من المسلمين أو من أهل الذمة: "قال أبو عبد الله -يعني أحمد ابن حنبل- في رواية الفضل بن زياد والمروذي: إذا أخذ الجاسوس، فإن كان ذميًّا فقد نقض العهد، يقتل، وإن كان مسلمًا فأنا أحب العافية منها، والشعبي لم ير عليه القتل، وعمر بن عبد العزيز أُتي بجاسوس مسلم، فعاقب المسلم ونفاه وقتل الذمي". أقول: أعلم جيدًا أن هذا الحكم يستشكله كثيرون، ولكن ابقَ معي إلى النهاية حتى أشرح لك المسألة على وجهها وأبين لك محل الإشكال. فأول شيء يقال: أليس الجاسوس مرتدًّا لأنه يوالي المشركين؟ فكيف يقال إن الجاسوس يمكن أن يكون مسلمًا؟ وكيف يُبحث في قتله من عدمه أصلًا؟ فيقال: الموالاة أنواع، وليست كلها مكفِّرة، بدليل قصة الجاسوس نفسها! وكلام العلماء في ذلك، وهذا نظير مسألة التشبه، فالتشبه منه المُفسِّق ومنه ما يكون موافقةً لهم على أعمال الشرك الظاهرة فيكون مخرجًا من الملة. ويقال أيضًا: أليس الجاسوس يضر بالمسلمين ويسبب قتلهم أو هزيمتهم؟ فيقال: ومن يخفى عليه هذا. مقاومة الشيء لا تعني ضرورة التكفير به، فالخوارج الذين يستحلون دماء المسلمين لا يكفرون عند كثير من العلماء، بل إن عليًّا ما استحل قِتالهم حتى قاتلوا هم أولًا، والقاتل العمد والمرابي والزاني غير المحصن.. كل ذلك نقاومه ولا نقتل ولا نكفر به (فالقتل العمد يجوز فيه عفو الأولياء)، وتسبيب القتل غير القتل المباشر في قول عامة العلماء. كما أننا لو وضعنا شروطًا لقطع يد السارق فذلك لا يعني التهوين من شأن السرقة ولا عدم وجود عقوبة، فعلى سبيل المثال: السرقة من بيت مال المسلمين لا قطع فيها ولكن هذا لا يساوي الإباحة ولا عدم العقوبة، والكافر الذي يقاتلنا بنفسه لو أسرناه فإنه لا يتعين علينا قتله، فقد نعفو عنه أو نسترقه أو نفادي به، ولنا قتله أيضًا. وقال أبو داود في سننه 2669 - حدثنا أبو الوليد الطيالسي، حدثنا عمر بن المرقع بن صيفي بن رباح، قال: حدثني أبي، عن جده رباح بن ربيع، قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة فرأى الناس مجتمعين على شيء، فبعث رجلًا، فقال: «انظر علام اجتمع هؤلاء؟» فجاء فقال: على امرأةٍ قتيل. فقال: «ما كانت هذه لتقاتِل» قال: وعلى المقدمة خالد بن الوليد، فبعث رجلًا، فقال: «قل لخالد لا يقتلن امرأة ولا عسيفًا». والعسيف هو الأجير، والأجراء ونساء المشركين يعينون المشركين، ولكنهم لما كانوا غير مقاتِلين وفعلهم ليس مقاتلة مباشرة عُصمت دماؤهم إلا لضرورة، والإسلام الثابت للجاسوس أعظم في عصمة الدم من الأنوثة للمشركة، هذا من باب بيان أن للمسألة نظائر في الشريعة، وأما الذمي فيُقتل لأنه نقض ما بيننا وبينه من عهد، وليس له أخوة إيمانية عاصمة، فصار الذمي الخائن دون المشركة والعسيف لخيانته العهد بيننا وبينه، ودون المسلم لكفره. فإن قيل: ألم يقل علماء آخرون بقتل الجاسوس أو الحكم بردته؟ فيقال: أما المتقدمون فما قال أحد منهم بالحكم بردته، وأما الحكم بالردة فأول من قال به جزمًا الداوودي من المالكية -وهو أشعري- وهو متأخر نسبيًا، وتعقَّبه ابن بطال بدعوى الإجماع على عدم القتل حدًا فكيف يُقتل بالردة، وادعى ذلك قبله الطحاوي. وقال بعض المالكية بالقتل تعزيرًا ثم تنازعوا هل هو كالمرتد أو كالزنديق؟ ومعنى هذا الخلاف أن المالكية يقسمون الردة إلى نوعين: الردَّة الصريحة التي يقول فيها المسلم أنا صرت نصرانيًّا صراحةً، وهذه يستتيبون فيها. وردَّة الزندقة، وهي أن يُظهِر الإنسان الإيمان ويبطن الكفر، أي يُخادع أهل الإسلام كفعل أهل النفاق ويُكتشف، فهذا لا يرون فائدة في استتابته لأنه أصلًا كان يُخادع المسلمين فربما خادعهم في دعوى التوبة. =