=
=
المثال الثالث: حين يعجب بعض الناس بمشروع إصلاحي معين يتكلف تعديد محاسنه، ولكنه يقع أحياناً بالفهم العامي لعبارة (الجزر يقوي النظر)
فتجده يذكر لهم مناقب يشركهم بها كثيرون بل ربما كان بعض من يشركهم أكثر أثراً في ذلك ويوهم أن ذلك من خصائصهم، وقد قرأت مرة ورقة لبعض الكتاب الأفاضل يعدد محاسن تيار أعجب به فذكر من ذلك دعوتهم للتوحيد وردهم على بعض دعاة التصوف والقبورية؛
فلما تأملت في كلامه وجدت أن هذا أمر مشترك بين هذا التيار وتيارات أخرى تناوئه فما من أحد منهم إلا وله ردود على المخالفين في هذا الباب وشروح وحواشي وإفادات.
نعم من المقبول أن تذكر هذا أمام إنسانوي أو ليبرالي، ولكن كما ترى حسنة من معك انظر إلى حسنة غيرك خصوصاً إذا كانت هذه عندك أعظم الحسنات وأنت لا تكفر الطرف الآخر.
وحتى الذين فتنوا بالقبور ووقعوا في الشركيات يحتجون بأنهم انتفعوا بالولي فلان لما نذروا له ولما ذبحوا له، وهذا استدراج وفتنة، ولكن كلامهم ملؤه سوء الظن بالله وكأنهم لو سألوا الله عز وجل مباشرة وعملوا الأعمال الصالحة فلن يستجيب، وكذلك من يذهب للكهان والعرافين.
فيقال لهم: قد أذهبتم آخرتهم بمنفعة دنيوية حاضرة، وما يدريكم لو سألتم الله عز وجل وبذلتم الوسائل الشرعية أنه لن يستجاب، لكم بل أحسنوا الظن بالله، واعلموا أن الابتلاء كفارة للذنوب فالله يأتيك بما يكفر ذنبك فتحبط حسناتك بالأمر! هذا اختبار من ضمن اختبارات الدنيا.
وكذلك من يفكر بالشهرة من خلال بعض التنازلات الشرعية والأمور الخادشة وكأنه لا يوجد شهرة ولا مال إلا من خلال الحرام، علماً أن المسلم لا يطلب الشهرة لذاتها ولا يتمناها وإنما يتمنى الأجر العظيم وأما المال فطلبه مشروع دون جشع والرزق الحلال بركته عظيمة، ولكن إذا وسوس لك شيطان جن أو شيطان إنس فإنه وكأنه يقول لك (لا مال إلا من خلال هذا الفعل الحرام) وحقاً هو يأتي بمال ولكن كم من حلال يأتي بالمال الطيب مع البركة والسلامة في الآخرة.
والأمثلة الأخيرة هي أسوأ من فهم بعض العوام لعبارة (الجزر يقوي النظر) فالجزر حقاً يقوي النظر وأما المثال الذي معنا فهو أوهام وخرافات.