كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

الوليد بن عبد الملك الجواد المنسي !

المصدر
الوليد بن عبد الملك الجواد المنسي ! قال الطبري في تاريخه حدثني عمر، قال: حدثني علي، قال: كان الوليد بن عبد الملك عند أهل الشام أفضل خلائفهم، بنى المساجد مسجد دمشق ومسجد المدينة، ووضع المنار، وأعطى الناس، وأعطى المجذمين، وقال: لا تسألوا الناس وأعطى كل مقعد خادما، وكل ضرير قائد وفتح في ولايته فتوح عظام، فتح موسى بن نصير الأندلس، وفتح قتيبة كاشغر، وفتح مُحَمَّد بن القاسم الهند. قال: وكان الوليد يمر بالبقال فيقف عليه فيأخذ حزمة البقل فيقول: بكم هذه؟ فيقول: بفلس، فيقول: زد فيها. قال: وأتاه رجل من بني مخزوم يسأله في دينه، فقال: نعم، إن كنت مستحقا لذلك، قال: يا أمير المؤمنين، وكيف لا أكون مستحقا لذلك مع قرابتي! قال: أقرأت القرآن؟ قال: لا، قال: ادن مني، فدنا منه، فنزع عمامته بقضيب كان في يده، وقرعه قرعات بالقضيب، وقال لرجل: ضم هذا إليك، فلا يفارقك حتى يقرأ القرآن، فقام اليه عثمان ابن يزيد بن خالد بن عَبْد اللَّهِ بن خَالِد بن أسيد، فَقَالَ: يا أمير المؤمنين، إن علي دينا، فقال: أقرأت القرآن؟ قال: نعم، فاستقرأه عشر آيات من الأنفال، وعشر آيات من براءة، فقرأ، فقال: نعم، نقضي عنكم، ونصل أرحامكم على هذا أقول : قد يتعجب المرء من هذا الكلام فنحن اعتدنا على الحديث عن عمر بن عبد العزيز بصفته العادل الوحيد في المروانيين أو الفاضل الوحيد فيهم والواقع أن نظرتنا للتاريخ الإسلامي تحتاج إلى مراجعة عميقة وذلك أن الناس إذا أثنوا على مثل عمر بن عبد العزيز فهذا معناه أنهم ما وجدوا عليه هنة أو زلة وهذا لا يعني أن الآخرين شياطين أو بلا مناقب عظيمة فنحن إذا أثنينا على الحسن البصري وذكرنا فضله ثم جعلناه الأصل الذي يتحاكم إليه الناس فإن الجميع سيظهرون بصورة سيئة لعظيم فضل الحسن وهكذا سنستقل فضائلهم وهذا الذي يحصل عند مقارنة الناس بعمر بن الخطاب أو عمر بن عبد العزيز مثلاً هذه الفضائل لا تعني عدم وجود رذائل ولكن بسبب العاطفة تجاه أهل البيت وبعد استيلاء العباسيين على الخلافة غيبت الكثير من فضائل الأمويين وأبرزت مثالبهم فحسب وقد كان المؤرخون الأوائل فيهم شيء من الإنصاف يذكرون كل شيء حتى مع أكاذيب الشيعة يذكرون ما يقابلها ولكن عدداً المتأخرين المحدثين بسبب انقراض النواصب ووجود الروافض وطغيان نفس التجميع صاروا يقدمون الأمويين قرباناً وأهل هذا الزمان لهم أحوال عجيبة في الاعتذار لمن لا يصلح أن يعتذر له لطغيان فساده مثل الحجاج والطعن في بعض الصالحين الذين انتحلتهم الصوفية كمثل إبراهيم بن أدهم والجنيد نكاية بالصوفية المحدثين والتجلد بالدفاع عن أهل الرأي حتى أنك لتجد المرء فيهم إذا ضاقت مذاهبه وعلم كلام السلف فيه حرص على أن يذكر كلامهم بالإجمال ولا يذكر ألفاظه تفصيلاً ولا أسماء المتكلمين وإذا وجد فيه مدحاً قبله ولم ينظر بإسناده وذكره بلفظه وتفصيله وتجد بعض أهل السنة يلتزم الثناء على من لا يلزم الثناء عليه كمثل الحسن العسكري فهذا الرجل ليس من رواة الحديث وما رأينا متقدماً يثني عليه بسند صحيح وسلامة نسبه لا تفيده شيئاً فالإمامية الذين يقولون بعصمته يسبون أخاه وبني عمه سباً شديداً وقد يكون رجلاً صالحاً وقد يكون طالحاً وقد يكون من عوام المسلمين لا يمكن الوقوف على حقيقة أمره ولكن التوافقية أخذت من الناس كل مأخذ كما فعلت فيهم المناكفية وهناك العالماني الحاقد الذي يريد أن يظهر مثالب الدولة الإسلامية فحسب فإن وجد في الكتب سيئة أذاعها وإن وجد حسنة أعلنها مع أنه بالعقل المجرد مناقب الأمويين في كتب مؤرخي العباسيين ينبغي أن تكون موثوقة أكثر من غيرها لأنها شهادة أعداء أو شبه أعداء بخلاف العكس ويظن أنه بذلك فاز في الحوار مع الإسلاميين ولا يدري أن منظومة الأولويات عندهم نقيض التي عنده وبالتالي تقييم الدول فيه اختلاف جذري وهناك من يكتب في التاريخ بطريقة حالمة تلتقط المناقب فحسب وكل هذه الطرق أضرت بالتصور العام عن التاريخ وعن أثر الإسلام في أهله ونحن نرى الناس يتصورون واقعهم تصورات فاسدة فما بالك بالتاريخ القديم الله المستعان.