=
=
قال الطبري في تفسيره: [ولا يأتين ببهتان يفترينه بين أيديهن وأرجلهن يقول: ولا يأتين بكذب يكذبنه في مولود يوجد بين أيديهن وأرجلهن. وإنما معنى الكلام: ولا يلحقن بأزواجهن غير أولادهم. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل].
فالله سماه بهتاناً وقرنه بالسرقة فمن يبيح لهذه أن تتوب دون أن ترجع الحق لأهله وتبعد عن زوجها هذا البهتان فهو كمن يجوز للسارق التوبة دون إرجاع الحقوق للخلق مع مقدرته على ذلك.
ومن الأحكام المشهورة عند الفقهاء حكم استبراء الزانية
جاء في شرح منتهى الإيرادات من كتب الحنابلة:
(ولا ينفسخ نكاحها بزنا) نصا. وقال: حديث النبي صلى الله عليه وسلم «لا ترد يد لامس» "لا يصح (وإن أمسكها) زوجها فلم يطلقها لزناها (استبرأها) أي لم يطأها حتى تنقضي عدتها كغيرها من المعتدات".
وقد كان شيخ الإسلام يعترض بشدة على حكم إمساك الزوجة الزانية ويقول لا يباح ذلك ويستدل بأحاديث ذم الدياثة وأما حديث لا ترد يد لامس فقد استنكره وقد سبقه لهذا الاستنكار الإمام أحمد ولي مقال في تأييد ذلك.
غير أن موطن الشاهد أنهم لا يجيزون له وطئها إذا زنت لكي لا يلحق به ولد ليس ولده أو تشتبه الأمور وبطبيعة الحال هذا الحكم ينطبق عليها فلا يجوز لها أن تمكن رجلين من نفسها في طهر واحد وإذا زنت فقد حرم عليها زوجها حتى تحيض وتتأكد من براءة رحمها.
فكيف بعد كل هذه الاحتياطات نقول: يجوز لها أن تفعل ما هو أبلغ من تمكين زوجها من نفسها بعد الزاني ألا وهو إلحاق الولد به صراحة مع العلم أنه من الزاني! إذن ما فائدة الزواج وما فائدة الاستبراء؟
ومن عجائب بعض الفقهاء المعاصرين أنه قال أن الرجل يقع على امرأته مباشرة بعد زناها لكي يذهب الشك أن الولد له!وسبحان الله مع كون هذا قريب الدياثة الشك لن يذهب ولو وطئها ألف مرة ما دام ماء الرجل الآخر دخل رحمها.
قال أحمد في مسنده 21703 - حدثنا يحيى، عن شعبة، عن يزيد بن خمير، عن عبد الرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن أبي الدرداء: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى امرأة مجحا على باب فسطاط أو طرف فسطاط، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لعل صاحبها يلم بها» قالوا: نعم. قال: «لقد هممت أن ألعنه لعنة تدخل معه في قبره، كيف يورثه وهو لا يحل له؟ وكيف يستخدمه وهو لا يحل له؟»
كل هذا ترهيب من اجتماع ماءين في رحم امرأة فكيف لذلك الرجل الفاضل يقول ما يقول؟ الله المستعان هذه زلة وقد غلط أيضاً فيما نسب للصحابة وليس هذا محل بسط ذلك.
وبعضهم يتحدث عن الستر والستر مطلوب ما لم يبنَ عليه تضييع ستور أخرى فهذا الابن سيطلع على محارم ليسوا له بمحارم فلئن يسقط ستر امرأة زانية أولى من أن يسقط ستر عفيفات.
وبعضهم يتكلم عن وجود مفسدة في التصريح بذلك فيقال الزنا ذنب عظيم وعلى فاعله أن يتحمل نتائج أفعاله وما ذنب الرجل المظلوم يبقى ينفق على ولد ليس ولده وعلى امرأة ما صانته في نفسها.
وأما النقاش في البصمة الوراثية هل تعتبر من قبيل القرائن أو من قبيل الأدلة القاطعة فهذا باب آخر ولكنني أستغرب ممن يدعو للحساب الفلكي في دخول الشهر وعدمه ثم هو في أمر البصمة الوراثية يجعلها من الظنيات ويقدم الفراش عليها تعاطفاً مع الزواني أو من عليهن شبهة زنا!
والأحاديث شملت كل حالم فحديث (نزعه عرق) في امرأة عفيفة لا شبهة عليها وجاءت بولد فيه وصف غريب وحديث (الولد للفراش) في طرفين تنازعا في طفل كلهم يدعيه وأحدهما فراشه صحيح متأكد منه والآخر فراشه مشكوك فيه أو فجور وحديث اللعان في الذي يريد أن ينتفي وفي كل حال لا نجيز للزانية السكوت وإدخال ولد على قوم ليس منهم.
فإن شكت ما الذي تفعله؟
الذي أختاره أن تحتاط وتخبر الرجل أيضاً فاحتمالية كون الولد ليس له واردة بقوة ففي الصحيحين من حديث عدي بن حاتم قال: سألت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «إذا أرسلت كلبك المعلم فقتل فكل، وإذا أكل فلا تأكل، فإنما أمسكه على نفسه» قلت: أرسل كلبي فأجد معه كلبا آخر؟ قال: «فلا تأكل، فإنما سميت على كلبك ولم تسم على كلب آخر»
والأمر نفسه يقال هنا ما دام هناك احتمالية متساوية يؤخذ بالأحوط وهذا الخطاب لها هي وأما الخطاب للقاضي فالولد للفراش ما لم يتيقن أن الولد ليس لأحدهما فإن وقع يقين دعا الرجل إلى الانتفاء بأي وسيلة كانت وحسابه وحسابها على الله.
والاستدلال بحديث الغامدية على جواز ترك اخبار الزوج لا يتم لأنها معترفة فالأمر تغير تلقائيا وإنما نهيت عن الاعتراف أمام القضاء بزناها لئلا ترجم وفي الحديث أن النبي بمجرد ما عرفت أنها حبلى أزمع اقامة الحد ولكن أجله حتى الوضع ولما اعترفت أثني عليها واليوم لا رجم ولا لعان وكانت المرأة تنفي عن نفسها الحد بدعوى أنها مكرهة وبذلك تخرج من الحد وإلحاق النسب كما حصل في بعض الحوادث في زمن عمر ثم خطاب القاضي للناس شيء والخطاب الشرعي المتعلق بالحقوق شيء آخر فكان القضاة يحثون على عدم الاعتراف بالسرقة لإسقاط الحد ومع ذلك لا يختلف الناس في وجوب إرجاع الحقوق.