علاج الكتاب والسنة للمثبطات عن الصدقة...
علاج الكتاب والسنة للمثبطات عن الصدقة...
بمناسبة جمع بعض المشاهير التبرعات لاح في ذهني هذه الفكرة حيث طرحت على نفسي تساؤلا: ما الذي يمنع الناس من الصدقة مع محبتهم للأمر وتعظيمهم لمن يفعل ذلك جداً وجعلهم لذلك الحسنة التي تدمح كل سيئة؟
فظهر لي عدة أسباب وسبحان الله كلها جاء الجواب عليها في النصوص.
السبب الأول: البخل وإيثار النفس، وقولهم نفسي أولى بالأمر.
وهذا جاء علاجه في النصوص بقوله تعالى: {ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم الفقراء وإن تتولوا يستبدل قوما غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم}[محمد].
فالصدقة أنت تتصدقها على نفسك في الحقيقة لأن منفعتها الأخروية لك، والبخل بخل عن نفسك لأنك تحرم نفسك الأجر، والرزق بيد الله فإن بخلت ربما أزال النعم من يدك ووضعها في يد آخر، هذه خلاصة التنبيه الوارد في الآية.
وفي حديث أبي كبشة الأنماري في جامع الترمذي: ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله عزا، ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر أو كلمة نحوها.
فمن يستحضر أن المال لا ينقص لعوض الأجر ولأن الله عز وجل الرزاق يبارك يذهب هذا البلاء من نفسه بلاء البخل.
السبب الثاني: استقلال الصدقة
وهذا كثير في الناس، يقول المرء: هذه صدقة قليلة ما تصنع.
وقد قال تعالى: {مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً}[البقرة].
وفي حديث أبي هريرة في صحيح مسلم وهو مصدق لمعنى الآية: ما تصدق أحد بصدقة من طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، إلا أخذها الرحمن بيمينه، وإن كانت تمرة، فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل، كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله.
فإذا استحضر المرء أن الأمر تعامل مع الله الكريم الشكور الغفور الذي يشكر على الحسنة القليلة فيضاعفها ويغفر الذنب العظيم لم يستقل صدقة أبداً، لأنها وإن قلت في عيون الخلق فهي عظيمة عند الله.
ثم إنه حتى في حساب أهل الدنيا القليل إذا تراكم صار كثيراً، وإنما السيل اجتماع النقط، فكم من واحد قال: صدقتي قليلة وما تغني، وقال غيره مثل هذا وثالث ورابع وخامس ولو تصدقوا جميعاً لاجتمعت صدقاتهم وصارت بالمجموع شيئاً كثيراً.
السبب الثالث: الخوف من وصول الصدقة إلى غير المستحقين
فهذا علاجه بحديث (إنما الأعمال بالنيات ولكل امريء ما نوى) وعليه فإن النتيجة ليست ضرورية لتحصيل الأجر.
وفي الصحيحين من حديث أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "قال رجل: لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته، فوضعها في يد سارق، فأصبحوا يتحدثون: تصدق على سارق فقال: اللهم لك الحمد، لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته فوضعها في يدي زانية، فأصبحوا يتحدثون: تصدق الليلة على زانية، فقال: اللهم لك الحمد، على زانية؟ لأتصدقن بصدقة، فخرج بصدقته، فوضعها في يدي غني، فأصبحوا يتحدثون: تصدق على غني، فقال: اللهم لك الحمد، على سارق وعلى زانية وعلى غني، فأتي فقيل له: أما صدقتك على سارق فلعله أن يستعف عن سرقته، وأما الزانية فلعلها أن تستعف عن زناها، وأما الغني فلعله يعتبر فينفق مما أعطاه الله".
وفائدة حصول الصدقة وإن لم تصل إلى مستحقيها أن الناس إذا وسوسوا في أمر الاستحقاق كان ذلك مدخلاً لهجران الباب من أصله، وحرمان المستحقين نعم لا بد من الحرص على المستحق ولكن لا يدخل الأمر في باب الوسواس والظنون.
=