كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

شيء من الشجون الوهابية: حديث الأعمى المصلوب..

المصدر
شيء من الشجون الوهابية: حديث الأعمى المصلوب.. قال ابن بشر في حوادث سنة 1196 هـ من عنوان المجد في تاريخ نجد: "ثم دخلت السنة السادسة والتسعون بعد المائة والألف، وفيها أجمع أهل القصيم على نقض البيعة والحرب، سوى أهل بريدة والرس والتنومة، وقتلوا كل من ينتسب إلى الدين عندهم خصوصًا المعلمين الذين يعلمونهم أحكام الشريعة، فحضر كافة رؤساء القصيم يوم الجمعة وأبرموا أمرهم، وتعاهدوا وأن كل أهل بلد يقتلون من عندهم في يوم معروف، ولم يشعر بذلك أحد، فلما مضوا إلى بلدانهم أرسلوا إلى سعدون بن عريعر يخبرونه بذلك واستحثوه بالقدوم عليهم، فبادر في الحال وأمر بالرحيل واستنفر العربان فأقبل بجنوده فحين قرب من القصيم، قام أهل كل بلد وقتلوا من عندهم من العلماء المعلمة، فقتل أهل بلد الخبرا إمامهم في الصلاة منصور أبا الخيل يوم الجمعة وهو قاصد المسجد، وقتل ثنيان أبا الخيل وقتل آل جناح رجلًا عندهم من أهل الدين والصلاح ضرير البصر وصلبوه بعصبة رجله وفيه رمق حياة، وقتل آل شمس أميرهم علي بن حوشان، وفعل أهل البلدان ذلك الفعل وأقبل سعدون بعدده وعدته، وجمع جموعًا من بني خالد وغيرهم". أقول: كان يكفيهم إذ تمردوا على الدولة أن يقاتلوا المقاتلة، ولكنهم أبوا إلا البطش بأهل الدين والصلاح حتى من لا يُخشى منه كهذا الأعمى، ثم زادوا في غيظهم أن صلبوه. قال الدكتور مأمون عبد السلام في مقال له بعنوان: الخصيان أصل العادة وتاريخها وانتشارها (نشر في مجلة الرسالة بتاريخ بتاريخ: 13 - 04 - 1936 العدد 145): "وقد رجع بعض العرب إبان الحرب الوهابية الأولى إلى عادتهم في الجاهلية وهي خصاء الأسرى، وذلك أن الشريف غالب أمير مكة أسر أربعين رجلا من قبيلة يمنية وهي قبيلة تدين بالمذهب الوهابي، وكان في حرب معهم فأمر بأن يخصوا ثم يفك أسرهم فماتوا من جراء ذلك سوى اثنين رجعا إلى قبيلتهما بعد أن التأمت جراحهما؛ وقد امتلأ قلباهما بالحقد والضغينة فقتل أحدهما ابن عم الشريف غالب في إحدى المعارك، وأما الآخر فقُتل وهو يحاول اقتحام خيل الشريف ليقتله بنفسه". قارن ما فُعِل بهذا الأعمى بفعل الشريف بالحجاج الذين انتسبوا للسلفية من اليمن. وقال الشيخ سليمان بن سحمان في الضياء الشارق: "وكذلك ما جرى في حرب أشراف مكة لهذه الدعوة الإسلامية، والطريقة المحمدية، وذلك أنهم من أول من بدأ المسلمين بالعداوة، فحبسوا حاجّهم فمات في الحبس منهم عدد كثير، ومنعوا المسلمين من الحج أكثر من ستين سنة، وفي أثناء هذه المدة سار إليهم الشريف غالب بعسكر كثيف، وكيف عنيف". «أبو حَفْص عمر بن مُسلم بن سعيد بن عمر بن بدر بن مُسلم القرشِي الملحي ثمَّ الدِّمَشْقِي الشّافِعِي قاضِي أهل دمشق فِي عصره (ت:792هـ) قال ابن حجر: "وللناس فيه محبة واعتقاد وقد امتُحن مرة بسبب المذهب التيمي". قال المقريزي: "وفِيه قامَ المُحْتَسب جمال الدّين العجمي على الشَّيْخ زين الدّين عمر بن مُسلم بن سعيد بن عمر القرشِي وكانَ قد قدم من دمشق وعمل ميعادا للوعظ بالجامع الأزْهَرِي وظهر عَن حفظ جم للأحاديث النَّبَوِيَّة وتَفْسِير القُرْآن العَزِيز من أجل أنه اتهمَ بِأن لازم ما يُورِدهُ من الأحادِيث أنه يثبت الصِّفات الإلهية". قال ابن القاضي شهبة: "توفّي معتقلا بقلعة دمشق فِي ذِي الحجَّة سنة اثْنَتَيْنِ وتِسْعين وسَبْعمائة ودفن بالقبيبات وشهد جنازَته خلائق لا يُحصونَ كَثْرَة"». (منقول من قناة شذرات علمية على التلقرام) قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى (3/ 254) وهو يتكلم عن سجنه في مصر: "وهذا الحكم مخالف لشرع الله -الذي أجمع المسلمون عليه- من أكثر من عشرين وجها. ثم النصارى في حبس حسن: يشركون فيه بالله ويتخذون فيه الكنائس فيا ليت حبسنا كان من جنس حبس النصارى ويا ليتنا سوينا بالمشركين وعباد الأوثان بل لأولئك الكرامة ولنا الهوان. فهل يقول من يؤمن بالله واليوم الآخر: أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بهذا. وبأي ذنب حبس إخوتي في دين الإسلام غير الكذب والبهتان". وجاء في سير أعلام النبلاء في ترجمة عثمان ابن صلاح الدين الأيوبي: "نقلت من خط الضياء الحافظ، قال: خرج إلى الصيد، فجاءته كتب من دمشق في أذية أصحابنا الحنابلة -يعني في فتنة الحافظ عبد الغني- فقال: إذا رجعنا من هذه السفرة، كل من كان يقول بمقالتهم أخرجناه من بلدنا. قال: فرماه فرس، ووقع عليه، فخسف صدره، كذا حدثني يوسف بن الطفيل، وهو الذي غسله". أي أنه توعَّد الحنابلة بالطرد من البلد. هذه قبسات ويوجد غيرها كثير، فإذا تأملت في قصة الأعمى المصلوب، والحجيج الذين تم إخصاؤهم، ومنع أهل الدعوة من الحج ستين عامًا، وما حصل لابن تيمية ومَن كان على طريقته حتى أن ابن أبي العز فرَّقوا بينه وبين زوجه وتزوجها أحد خصومه إمعانًا بالأذية، وقصة (من اعتقد اعتقاد ابن تيمية حل دمه)، وتوَعُّد الحنابلة بالطرد، وسجن من يقرأ خلق أفعال العباد للبخاري أو الرد على الجهمية للدارمي وغيرها وغيرها.. إن تأملت في هذا علمت مدى التطفيف الذي يفعله بعضهم حين يصوِّر أهل السنة على أنهم بطشوا بالمخالفين ويغمض العين عن صنيع المخالفين الذي تجاوز العقوبة الشرعية إلى مستويات جاهلية بامتياز مع تسامحهم مع أناس هم أبعد عن دينهم ممن يسمونهم وهابية أو حنابلة أو تيمية. وستعلم ما فيه كثير من أهل السنة اليوم من العافية، وينبغي أن يحمدوا الله على ذلك ويسعوا في نشر هذا الدين الذي بَذَل غيرهم مهجته لأجل وصوله وتبليغه. وورثة هؤلاء الذين فعلوا بأهل السنة ما فعلوا (منذ محنة أحمد وإلى يومنا هذا، فلا يجهل عاقل أن مذهبهم أقرب إلى مذهب مَن جلد أحمد) غيَّروا أساليبهم في هذا الزمان لمَّا رأوا انتشار الإنسانوية، فصاروا إذا رأوا أهل السنة يريدون نشر دينهم سعوا بهم إلى السلطات واتهموهم بالغلو والتطرف وتحالفوا مع الليبراليين ضدهم، ومنهم من لا يبالي بأن يجعل السني ضحية للبطش عن طريق بعض الوشايات ثم يظهر للناس بابتسامة باردة وتصنُّع عجيب، وهذا يدلك على أن دماء أسلافهم لا زالت تجري في عروقهم ولكنهم بدَّلوا جلودهم بحسب الحاجة، بل وتصنَّعوا المظلومية وصاروا يقرأون التاريخ قراءة مجتزأة تشبه قراءة المنصِّرين لتاريخ غزوات النبي صلى الله عليه وسلم.