=
=
ومن الرحالة الذين ذكروا أموراً عجباً أبو معين الدين ناصر خسرو الحكيم القبادياني المروزي (المتوفى: 481هـ) في رحلته المسماة (سفر نامه) وأصلها كتب بالفارسي، ولكنها عربت لاحقاً.
فكان مما ذكره في رحلته هذه عن مصر قوله: "بلغ أمن المصريين واطمئنانهم إلى حد أن البزازين وتجار الجواهر والصيارفة لا يغلقون أبواب دكاكينهم بل يسدلون عليها الستائر".
وقال أيضاً: "وقد رأيت هناك نصرانيا من سراة مصر قيل إن سفنه وأمواله وأملاكه لا يمكن أن تعد وحدث في سنه ما أن كان النيل ناقصا وكانت الغلة عزيزة فأرسل الوزير إلى هذا النصراني وقال ليست السنة رخاء والسلطان مشفق على الرعية فاعط ما استطعت من الغلة إما نقدا وإما قرضا قال النصراني أسعد الله السلطان والوزير إن لدي من الغلة ما يمكنني من إطعام أهل مصر الخبز ست سنوات ولا شك ان سكان مصر في ذلك الوقت كانوا كثرين فإن سكان نيسابور خمسهم مع الإسراف في التقدِدير وكل من يستطيع الحكم يدرك كم ينبغي أن يكون لهذا الثري لتبلغ غلته هذا المقدار وأي سلام كانت فيه الرعية وأي عدل كان للسلطان بحيث تكون أحوال الناس على هذا الوضع وأموالهم بهذا القدر لم يكن السلطان يظلم أو يجور على أحد ولا كان أحد من الرعية يخفي أو ينكر شيئا مما يملك".
معنى القصة أن مصر شح فيها الطعام بسبب نقص في النيل، فأرسل الملك إلى تاجر نصراني مشهور بثرائه الفاحش، يشتري منه لأهل مصر الطعام الذي يعوضهم عما أصابهم من الفاقة، ويتعجب صاحب كتاب سفر نامه من شفقة هذا الملك على أهل البلاد.
وحقيقة يتعجب أيضا من حفظه حق النصراني، وعدم أخذه المال منه قسرا مع أنه نصراني.
وقارن حال هذا النصراني في بلاد الإسلام بما حصل للمسلمين في الأندلس ثم كثرة تشبيه النصارى على المسلمين في أمر أهل الذمة، مستفيدين من القيم الليبرالية السائدة اليوم، التي تنظر للدين على أنه أمر ثانوي في تكوين الدولة، أو مساند قيمي فحسب، وليس أصلا وغاية.