كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

نقد ابن تيمية لبذور الحداثة في الكتب الأصولية على طريقة المتكلمين...

المصدر
نقد ابن تيمية لبذور الحداثة في الكتب الأصولية على طريقة المتكلمين... كثرة المحدثات والاستدلالات المحدثة هذه الأيام خضوعاً للثقافة الحداثية السائدة يوجب علينا تفحص كلام المتقدمين وتعاملهم مع نظائر هذه الظاهرة. قال ابن تيمية في كتابه الفرقان بين الحق والباطل وهو يتكلم عن المتأخرين المخالفين للسلف: "فلهذا تجدهم إذا احتجوا بالقرآن والحديث لم يعتنوا بتحرير دلالتهما، ولم يستقصوا ما في القرآن من ذلك المعنى إذ كان اعتمادهم في نفس الأمر على غير ذلك، والآيات التي تخالفهم يشرعون في تأويلها شروع من قصد ردها كيف أمكن، ليس المقصود أن يفهم مراد رسول الله صلى الله عليه وسلم، بل أن يدفع منازعه في الاحتجاج. ولهذا قال كثير منهم كأبي الحسين البصري ومن تبعه كالرازي والآمدي وابن الحاجب: أن الأمة إذا اختلفت على قولين جاز لمن بعدهم إحداث ثالث بخلاف إذا ما اختلفوا في الأحكام على قولين فجوزوا أن تكون الأمة مجمعة على الضلال في تفسير القرآن والحديث، وأن يكون الله أنزل الآية وأراد بها معنى لم يفهمه الصحابة والتابعون، ولكن قالوا إن الله أراد معنى آخر، وهم لو تصوروا هذه المقالة ما قالوا بها فإن أصلهم أن الأمة لا تجتمع على ضلالة ولا يقولون قولين كلاهما خطأ والصواب قول ثالث ما قالوه، لكن قد اعتادوا أن يتأولوا ما خالفهم". أقول: هذا كلام نفيس للشيخ يتكلم فيه عن مجموعة من الأصوليين المعتزلة والأشاعرة الذين جوزوا ألا يكون السلف قد فهموا القرآن والسنة الفهم الصحيح، وأنهم إذا اختلفوا على قولين يجوز أن تختار ثالثاً غير الاثنين. قال أحمد في رواية عبد الله وأبي الحارث: "يلزم من قال: يخرج من أقاويلهم إذا اختلفوا، أن يخرج من أقوالهم إذا أجمعوا". وقال في رواية الأثرم: "إذا اختلف أصحاب رسول الله -صلى اللَّه عليه وسلم- يختار من أقاويلهم، ولا يخرج عن قولهم إلى من بعدهم". "العدة"1113/4، "التمهيد في أصول الفقه" 3/ 310. والذي حملهم على هذا قولهم بتأويل نصوص الصفات بغير الوارد عن السلف الكرام، وهنا أضعفوا الإجماع إذ جوزوا مخالفة اتفاق تفسير السلف، وهذا فتح الباب لمخالفتهم في أقوالهم أيضاً وليس فقط في فهمهم (مع تلازم الأمرين). وكثير من الناس يظن أن في هذا تعطيلاً للاستفادة من الكتاب والسنة، وهذا غلط، فإنه يجوز لك أن تستنبط شيئاً من الكتاب والسنة لا تجده في كلام السلف، كأن ترد على ضلالة جديدة من الكتاب والسنة، أو تستخرج معنى تربوياً أصله ثابت في الشرع. غير أن الإشكال في أن تقول كلاماً مناقضاً لكلامهم وليس زائداً عليه فمثلاً، حيث يستفيد إنسان من نص قطع يد السارق عدم تكفير السارق لأنه قطعت يده ولم يُقتل، غير أن تأتي وتفسر قطع يد السارق بمنعه عن السرقة وليس القطع الحقيقي. وفي هذا الذي ذكره الشيخ لفتة مهمة وهو أن الكتب الأصولية الكلامية فيها بذور للحداثة، وعادة المذهبيون يعتمدونها، وكلما رأوا إنساناً يتتبع الرخص أو يعسف الاختيارات العلمية لتوافق الحداثة حملوا ما وصل إليه لتركه المذهبية (علماً أن في المذهبيين كثير ممن هو كذلك) والإنصاف أن لا يتمذهب بمذهبية المتأخرين (مذهبية المعتمد) لا يلزم من حاله الانحلال إذا كان متديناً بالأحاديث الصحيحة ويتقي خرق إجماع الصحابة والتابعين الثابت، بل كثير منهم له تشددات مشهورة، وقد وُجِد في متأخري المذهبيين من قال بمقالات جاءت من التأثر بأصول كلامية أو تصوف هي خلاف ما كان عليه المتقدمون. ومن عجيب ما وقع لابن تيمية في كتابه الفرقان توقعه مجيء فريق ينكر حد الردة في الأمة مع أن هذا لم يكن موجوداً في زمنه، ولكن رآه قد يخرج على أصول الخوارج الفاسدة. فقال في الفرقان ص 46: "والخوارج لا يتمسكون بسنة إلا بما فسر مجملها (كذا ولعله مجمل القرآن) دون ما خالف ظاهر القرآن عندهم، فلا يرجمون الزاني ولا يرون للسرقة نصاباً وحيئذ فقد يقولون: ليس في القرآن قتل المرتد، فقد يكون المرتد عندهم على نوعين". وهذا من عجائب الأمور إذ الخوارج الذين اشتهر عنهم الغلو أصولهم تخرج قولاً فاسداً مثل هذا ومع ذلك ما عملوا بهذا، والذين يقلدون أصولهم اليوم يقولون بالنصاب في السرقة حتى يقللوا حالات القطع فلم يكن عندهم إخلاص الخوارج لأصولهم فهم كما قال ابن تيمية في المتكلمين لا يعتمدون على النصوص في حقيقة الأمر وإنما يتحاكمون لثقافة حداثية، ويجادلون المسلمين بأصولهم حتى يقطعوهم ويشوشوا عليهم.