الشوق المبدِّد للشبهات والشهوات...
الشوق المبدِّد للشبهات والشهوات...
أمر وجود الخالق فطري، والبراهين عليه كثيرة، غير أن في النفوس معنًى فطريًّا آخر تتبدد معه الكثير من الشبهات والإيرادات.
وهو الشوق لرؤية الخالق واعتقاد أن الإله الذي يُرى أكمل ممن تستحيل رؤيته، خلافًا لجفاة الجهمية (بل من تستحيل رؤيته لكل الخلق غير موجود).
وسؤال الملاحدة : "لماذا لا نرى الله؟" يستبطن هذا المعنى، فيقال لهم: ومَن قال لكم إن الله لا يُرى، بل يُرى ولكن رؤيته في الآخرة على جهة الثواب، ويحجب عن رؤيته الأشقياء عقابًا.
هذا الشوق الذي تجده عامة النفوس المؤمنة ضرورةً يدلُّ على وجود اليوم الآخر، إذ أننا في هذه الدنيا يموت صالحنا وطالحنا دون أن نراه سبحانه، فدلَّ على وجود يوم آخر..
وتشوُّف النفوس لتلك الرؤية واستيعاب أن حجب أناس يعني العقوبة ذلك يدلُّ على وجود الثواب والعقاب، وكل هذا يدل على صحة الرسالات، لأن بها يُعرف ثواب الناس وعقابهم وأمر اليوم الآخر وتفاصيله.
قال أبو حيان التوحيدي في البصائر والذخائر: "ولقد رأيت شيخًا من أبناء ستين سنة وهو يقول: «ما ناظرتُ قط في إثبات الرؤية من ينفيها إلا انقطعْت، ولا أتيتُ بحجة إلا زوحِمْت، ولا عوَّلتُ على أصل إلا نوزعْت، وما أمَدي في ذلك إلا هواي في أني أحب إثبات الرؤية، وأستوحش مِن نفيِها، فأنا أتَّبع ما يَقوَى في نفسي، لأن الله عز وجل قاذف تلك المحبة في نفسي»".
وكل ما يورد على الرسالات من شبهات أضعف من برهان وجود الخالق وبرهان الرؤية عقلًا وفطرة، ولهذا فكل شيء تُعارَض به الرسالات هو من باب معارضة القوي جدًّا بالضعيف.
بعد هذا تأمَّل معي قوله تعالى: {وقالوا أإذا ضللنا في الأرض أإنا لفي خلق جديد بل هم بلقاء ربهم كافرون} [السجدة]
هنا يورد المشركون شبهةً يحسبونها عقلية على البعث، فيأتي التنبيه العجيب {بل هم بلقاء ربهم كافرون}، وقد قال ابن القيم إن المفسرين اتفقوا أن اللقاء هو الرؤية.
وكأنَّ الجواب: هب أنه لا بعث، فكيف سترون ربكم؟ وذلك الشوق وتلك الفطرة القاهرة في نفوسكم تتشوف لهذا، فلا يُحدَّث إنسان عن رؤية الخالق إلا وتُسَرُّ نفسه بذلك، إلا من انتكست فطرته من الجهمية.
قال ابن تيمية في درء تعارض النقل والعقل: "وما من مؤمن إلا وهو إذا ذكر له رؤية الله اشتاق إلى ذلك شوقًا لا يكاد يشتاقه إلى شيء".
وقد قال الحسن البصري: "لو علم العابدون أنهم لا يرون ربهم في الآخرة لذابت أنفسهم في الدنيا".