الخطورة أم البعد عن الوحي
الخطورة أم البعد عن الوحي
التنظير في أمر الإنصاف وترك البغي أمر لا يتخلف عنه كبير أحد، غير أن التطبيق المنضبط لهذه التنظيرات أمر لا يوفَّق إليه إلا ثلة مختارة ممن وفقهم الله رب العالمين وهدى قلوبهم.
ليس الشأن في وجود مخالفين متعددين وإنما الشأن في تعاملك مع كل مخالف.
فالميزان في التعامل مع المخالف شدةً واحتمالًا توقيرًا وتحقيرًا ما ضابطه؟ إذ أنه من أكثر الأبواب التي نرى فيها (ثنائيات مقلقة) وأعني بـ (الثنائيات المقلقة) ما يوحي أننا نحتكم لمعايير رغبوية أو ما يقال عنه في لسان السلف (الهوى).
وقبل الولوج إلى المقصود أود التنبيه على أن كاتب هذه السطور هو مشمول بالتنبيه والإيقاظ والتقويم، غير أن حسب المرء أن يعي المشكلة مبدئيًّا ويسلَم من التناقض الفاحش ويسأل الله عز وجل أن يعفو عن يسير الخلل ويصلحه بمنه وكرمه.
الذي ينبغي في تقويم المخالفات أن تكون المخالفة كلما كانت أبعد عن الوحي كلما كان صاحبها أعظم خطرًا عندنا، غير أن المشاهَد خلاف ذلك، ولننظر إلى عدة ثنائيات لنفهم الأمر:
١ - ثنائية المسائل النظرية ومسائل الحقوق:
المسائل النظرية أعني بها المسائل العقدية مثل إثبات الصفات والقدر والقول بعدالة الصحابة والترتيب المنصوص عليه عن النبي ﷺ وغيرها من المباحث التي توجد في كتب العقيدة.
عامة هذه المسائل أمرها عظيم جدًّا عند السلف الكرام بحسب مخالفة المخالف فيها للوحي.
قال ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل (5/257): "ولهذا كان السلف والأئمة يتكلمون في تكفير الجهمية النفاة بما لا يتكلمون به في تكفير غيرهم من أهل الأهواء والبدع".
علمًا أن الخلاف مع الجهمية في قضايا (نظرية) وفقًا للتصنيف العصري، وتجد آثارًا للسلف لا تحصى في أن من يقول القرآن مخلوق فهو كافر وأن من لم يقرّ أن الله على العرش فهو جهمي والجهمي كذا وكذا.
بينما لا يختلف السلف في أن المعتدي على الحقوق وإن كان مذمومًا إلا أنه لا يصل إلى درجة الذم التي كانت للجهمي أو القدري نافي العلم.
وتجد أن مَن يؤله عليًّا وإن لم يسب الصحابة أشد ممن يسب أفراد الصحابة أو حتى يكفّر عليًّا وعثمان مثل الخوارج.
الحاصل أن هذه الثنائية صارت محرجة أو مزعجة للكثيرين، فيشاهد في الناس أنهم يحاولون التهوين من شأن المسائل النظرية وتصويرها على أنها خلافيات فلسفية دقيقة لا يحسنها إلا خواص الناس ومع هذا فكلهم مأجور معذور أو هم بين معذور ومأجور.
نصوص السلف الغليظة صار وجودها كعدمه تحت ذرائع كثيرة لا تكاد تنضبط، ومنهم من يصرِّح بمخالفة السلف ومنهم من يزعم أنه يضبط كلام السلف والواقع أننا لا نرى ضبطًا وإنما نرى إعدامًا بالكلية.
بينما مسائل الحقوق بقيت على قوتها وصلابتها في النفوس، وصار الذم محصورًا فيمن يغلو بذم الخصوم (فيما يزعمون، وقد يكون بغيًا حقًّا وقد لا يكون).
لهذا تجد بعضهم إذا تكلم في القضايا النظرية خرج كلامه إلى ما يقارب تكافؤ الأدلة، فهو يرى مناقشة الخصوم والرد عليهم ولكن دون أن يخرج ذلك إلى ممارسات عملية معهم، سواءً كانوا دعاة أو غير دعاة، تحققنا من إصرارهم على الباطل أم لم نتحقق، مهما كانت درجة المخالفة، ما دام لم يخرج عن اتفاق الفرق المنتسبة لملة الإسلام ولهم تجمعات كبيرة من رافضة وخوارج ومتكلمين وأهل حديث.
وأما إذا تكلم في ذم الغلو فمهما كانت بيناتك أو شبهاتك فيما يزعم وأيا كان سلفك فذمك يخرج إلى ما يقارب طريقة المعتزلة في أن الحق واحد وكل مخالف آثم ثم يتسلسل التأثيم حتى يشملك ويشمل كل من يحسن الظن بك.
السلف ذموا قول الجهمية في الإيمان بأكثر من ذمهم لقول الخوارج، فكفروا الجهمية الذين أخرجوا القول والعمل من الإيمان بلا نزاع، مع أن قول الخوارج يخرج إلى سفك الدماء، ولكن ميزان السلف ذم القول والشدة عليه للبعد عن الوحي وضرب الدين في عمقه.
بينما اليوم ستجد كثيرًا ممن يكثر الحديث عن الوطن وأمن الوطن يتساهل مع العالماني والليبرالي وربما الرافضي الذي لا يُظهِر الولاء لقوى خارجية، ويشتد على من يراه قريبًا لما يسميه بـ (الإرهاب) ولو من بعيد ولو باللازم والذريعة، وذلك أن أمن الوطن هو الأساس عنده لا القرب والبعد من الوحي.
وكثير ممن يعيش في هذه الثنائيات إن كلَّمته في هذا يقول لك: أنا أرد على الإثنين، فيقال: الشأن ليس في الرد وإنما الشأن في التعامل والحكم، علمًا أن هناك مَن خرجت به هذه الثنائيات إلى السكوت وإلى التحالف مع المقارب الحقوقي وإن كان بعيدًا عقديًّا ضد الموافق العقدي إن خالف في معايير مصلحية وحقوقية أو أحكام على أفراد وجماعات.
ومن قلة الفقه أن تأتي لقوم تشبعوا بهذه الثنائيات وتحدثهم بذم الغلو والاستطالة على الخصوم وأهمية الإنصاف فإنهم غالبًا سيفسرونها تفسيرات خاصة بالخلافيات النظرية ويخرجون بها إلى حد التمييع، ثم هم سينسون كل كلامك إن تعلق الأمر بالأصول الكبرى عندهم والتعامل مع من يظنونهم غلاة.
=
=
٢ - ثنائية الذنب المذموم ليبراليًّا والذنب غير المذموم ليبراليًّا:
هناك ذنوب مذمومة ليبراليًّا وقانونيًّا مثل التحرش والاغتصاب، وهناك ذنوب غير مذمومة ليبراليًّا وقانونيًّا مثل التبرج وتكوين علاقات بين الجنسين.
انظر إلى تعاطي الناس مع الذنوب المذمومة ليبراليًّا، كثير منهم ينسى عبارة (من كان منكم بلا خطيئة فليرمه بحجر)، فهي تستخدم غالبًا ضد الحدود الشرعية غير المقبولة ليبراليًّا.
فليس الشأن في كونك تقول (هذا معصية) و (هذا معصية)، بل الشأن في طريقة تعاطيك مع الأمر.
فمتبرجة تقول (التبرج حقي) أسوأ ألف مرة من متحرش مجرم يقول (أنا مذنب) فهذا معترف وتلك غير معترفة، والذنوب تعظم جدًّا بالكبر وعدم الاعتراف.
فاليوم تجد كثيرًا من الناس معياره الوحيد لتعظيم ذنب على ذنب أن هذا في حقوق العباد (المبنية على المشاحة) وذاك من حقوق الله (المبنية على المسامحة، وهذا ليس على إطلاقه، فالشرك لا يغفر، والله إن لم يغفر فعذابه أشد العذاب)، فينسى أن هذا الأمر ليس على إطلاقه وأن هناك معايير أخرى ينبغي اعتبارها.
مثل المجاهرة بالذنب والدعوة إليه واستحلاله وشدة مخالفة الأمر للوحي (خصوصًا في المخالفات النظرية).
فقد جاءت أخبار في لعن آكل الربا وموكله وكاتبه وشاهداه، وهذا في الثقافة الرأسمالية الحديثة لا شيء فيه بينما يعظم أمر السرقة فحسب، وجاءت أخبار في لعن الزوجة الناشز التي تهجر فراش زوجها، وهذا في الثقافة النسوية الحديثة لا شيء فيه بينما يعظم أمر القذف فحسب، ويعظم أمر العنف غير الشرعي تجاه الزوجة أشد التعظيم وهو على ذمه ما ورد فيه لعن، وهذا من الحكمة إذ اللعن أحيانًا يكون لتعظيم ما قد يُستصغر.
وعادةً من يتضايق من هذا النقد يحاول أن يصوِّر أنك تقول (كل ذنب نظري أشد من كل ذنب عملي) ويبدأ بتعقُّبِك على هذا الأساس، وليس هذا محل بحثتنا.
بل محل بحثنا نقد الحالة المشاهَدة مِن التهوين من مخالفات معينة لاعتبارات عصرية مع أنك تجدها في النصوص وفي كلام السلف كأشد ما يكون، بينما مخالفات أخرى قد تكون النصوص فيها عن السلف أقل أو الخلاف أقوى فتُعدُّ عظيمةً لضميمة موافقة السائد.
فنحن لا ننكر أنه قد يُشتد على مسلم في مقام معين بما لا يُشتد على كتابيّ، فمثلًا يحل دم قاطع الطريق والخارجي المسلم ولا يحل دم الكتابي الذي يدفع الجزية، ويحرم الزواج من المسلمة الزانية ويحل من الكتابية العفيفة.
غير أن هذه قضايا مقيَّدة بظرف معين، فقاطع الطريق والخارجي يُترحَّم عليهم ولو سرًّا ويرثون ويورثون من أقربائهم المسلمين، بخلاف الكتابي، وهناك المرتد الذي هو حلال الدم وإن لم يُقاتِل، وكذلك المسلمة الزانية هي خير عند الله من الكتابية ويُترحَّم عليها، وينطبق على هؤلاء جميعًا حديث لا يُقتل مسلم بكافر، وإن كنا سنعاقب المسلم. وهناك الوثنية لا تحل بحال وإن كانت عفيفة ونكاح المسلمة الفاجرة خير من نكاحها.
حين يرانا العالماني والليبرالي نحتكم إلى معايير قريبة من معاييره في تحديد عظم المخالفة فإن في ذلك فتنة له، وهذه من الأمور التي جرَّأتهم جدًّا وأطمعتهم بالمزيد من التنازلات، وقد وُجِد مَن تنازل فطمعوا بغيره.