كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

الفقهاء وتجارة رابحة في أمر النية.

المصدر
الفقهاء وتجارة رابحة في أمر النية. هذه خاطرة خطرت لي وأنا أدرس الشباب مسائل في عتق الرقاب، ومعلوم أن أمر الرقيق انتهى اليوم، إلا أن المرء إذا قرأ عن ثواب عتق الرقاب ربما يقع في نفسه تمني لو تيسر له ذلك. ومعلوم أن اليوم يوجد استرقاق ولكن بغير صورته القديمة، فلو قدِّر أن عاد الرق القديم في حق هؤلاء الذين يُسترقون في المزارع الرأسمالية، أو مَن يتم استرقاقهن في البغاء وغيره، لكان ذلك أرحم في حقهم مع وجود العتق. هذا التمني لطاعات لَم تتيسر أسبابها لبعض الناس قد يكون مِن أعظم الأعمال الصالحة التي يجدها المرء في صحيفته وإن لَم يعمل. قال رسول الله ﷺ : «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى، فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى الله ورسوله، ومن كانت هجرته إلى دنيا يصيبها، أو امرأة ينكحها، فهجرته إلى ما هاجر إليه» متفق عليه. وقال رسول الله ﷺ «ثلاث أقسم عليهن، وأحدثكم حديثا فاحفظوه»، قال: «فأما الثلاث التي أقسم عليهن: فإنه ما نقص مالَ عبدٍ صدقةٌ ولا ظُلم عبدٌ بمظلمةٍ فيصبر عليها إلا زاده الله بها عِزًّا، ولا يفتح عبد باب مسألة إلا فَتح الله له باب فقر، وأما الذي أحدثكم حديثاً فاحفظوه»، فإنه قال: «إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالاً وعلماً، فهو يتقي فيه ربه، ويصل فيه رحمه، ويعلم لله فيه حقه»، قال: «فهذا بأفضل المنازل» قال: «وعبد رزقه الله علماً ولم يرزقه مالاً» قال: «فهو يقول: لو كان لي مالٌ عملت بعمل فلان» قال: «فأجرهما سواء» ، قال: «وعبد رزقه الله مالاً ولم يرزقه علماً، فهو يخبط في ماله بغير علم، لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقه، فهذا بأخبث المنازل» قال: «وعبد لم يرزقه الله مالاً، ولا علماً فهو يقول: لو كان لي مالٌ لعملت بعمل فلان، قال: هي نيته، فوزرهما فيه سواء» رواه أحمد والترمذي وصححه. وفي الباب أخبار كثيرة، مثل خبر مَن همَّ بحسنةٍ فلم يعملها كُتبت له حسنة (هذا مع أنه هم فحسب ولم يعملها مع تيسر السبب فما بالك فيمن عزم عليها ولكن حال دونه ودونها العجز). غير أن الأمر ليس بهذه السهولة، بأن أعمال القلب مراتب، فكم من إنسان زعم في نفسه أنه لو آتاه مالاً لأنفقه في سبيله ولكن لَما جاء الخير بخل. قال تعالى: {ومنهم من عاهد الله لئن آتانا من فضله لنصدَّقن ولنكونن من الصالحين (75) فلما آتاهم من فضله بخلوا به وتولوا وهم معرضون}. فإن قيل: فما السبيل إذن؟ يقال: السبيل أن تواظب على دراسة العلم، وألَّا تهجر شيئاً من الفقه والرقائق، فإنك إذا تكرر عليك ذكر الأعمال الصالحة وصفاتها وثوابها أورثك ذلك قوة نية في فعلها إن تيسرت أسبابها، فيُكتب لك الأجر وتفوز فوزاً عظيماً.