ماذا لو رأيت رؤيا ابن الخاضبة ستكون استرحت من ماذا؟
ماذا لو رأيت رؤيا ابن الخاضبة ستكون استرحت من ماذا؟
قال ابن طاهر المقدسي في المنثور والحكايات: "62- سمعت أبا بكر محمد بن أحمد الدقاق المعروف بابن الخاضبة رحمه الله وكنت ذكرت له أن بعض الهاشميين ذكر لي بأصبهان أن الشريف أبا الحسين ابن الغريق يرى رأي الاعتزال. فقال أبو بكر: لا أدري، ولكن أحكي لك حكاية:
لما كانت سنة الغرق وقعت داري على قماشي وكتبي، ولم يكن لي شيءٌ، وكان لي عائلة: الوالدة والزوجة والبنات، فكنت أورق للناس وأنفق على الأهل، فأعرف أنني كتبت ((صحيح مسلم)) في تلك السنة بالوراقة سبع مرات، فلما كان ليلةٌ من الليالي رأيت في المنام كأن القيامة قد قامت ومناد ينادي: أين ابن الخاضبة؟ فأحضرت. فقيل لي: ادخل الجنة. فلما دخلت الباب وصرت من داخل استلقيت على قفاي، ووضعت إحدى رجلي على الأخرى، وقلت: آه، استرحت والله من النسخ، فرفعت رأسي وإذا ببغلة مسرجة ملجمة في يد غلامٍ، فقلت: لمن هذه؟ فقال: للشريف أبي الحسين ابن الغريق، فلما كان في صبيحة تلك الليلة نعي إلينا الشريف بأنه مات في تلك الليلة".
هذه القصة اللطيفة وقعت من قلبي موقعًا.
ابن الخاضبة كان يعمل بنسخ الكتب وفي عام واحد كتب صحيح مسلم سبع مرات وأتعبه ذلك.
فرأى أنه يدخل الجنة في المنام فأول ما دخل الجنة استلقى وقال: استرحت والله من النسخ (يعني نسخ الكتب).
وقع في نفسي أنني لو رأيت الرؤيا نفسها أنني دخلت الجنة ما أول شيء سيخطر على بالي أنني استرحت منه.
وهكذا عموم القراء.
أحسب أن بعضهم سيقول: الآن استرحت من المرض.
وآخر سيقول: الآن استرحت من طلب الرزق أو التفكير بالمستقبل أو القلق على الأبناء.
وآخر سيقول: الآن استرحت من الجدل والخصومات وأذية الخصوم.
وآخر سيقول: الآن استرحت من الفقر.
وآخر سيقول: الآن استرحت من الاكتئاب.
وآخر وآخر وآخر..
غير أن ابن الخاضبة كان نصبه في أمر له فيه أجر لو احتسب، وكثيرون منا يجعلون همهم وشقاءهم في أمر لا تُنال به راحة الجنة وإنما يُطلب به راحة الدنيا، وراحة الدنيا لا تتم لأحد إذ لا بد فيها من تنغيصات.
نعم اطلب الرزق ولكن لا تجعل ذلك غاية بل هو وسيلة، واحتسب بذلك عسى أن يكون بابًا لولوجك للجنة.
نتكلم كثيرًا عن النهضة السياسية والاقتصادية والاجتماعية ونغرق في ذلك، وكل هذه وسائل، ولكن الراحة الحقيقية تلك التي رآها ابن الخاضبة في المنام حين يدخل المرء للجنة ويستلقي.