في رحاب العباسي الأول !
في رحاب العباسي الأول !
لو سألتني من هو أقدم حنبلي في نظرك فسأقول أبو بكر الخلال _ رحمه الله _ وذلك أن تلاميذ الإمام أحمد كانوا يسمعون منه ومن غيره وكل واحد منهم يأخذ فتاويه بشكل مباشر ويحكتمون له في نزاعاتهم وهذا قدر يشترك فيه كل العلماء الفضلاء
غير أن الخلال هو الذي جعل مذهب أحمد مذهباً بالمعنى المعروف اليوم حيث تتلمذ على عامة تلاميذ أحمد الذين أدركهم ومن لم يدركهم سمع من تلاميذهم ثم جمع فتاوى الإمام أحمد النظير إلى النظير في مكان واحد سماه الجامع هذا في الفقه وجمع في العقيدة كتاب السنة
ثم إنه جمع تراجم أصحاب الإمام أحمد في مكان واحد وبدأ يتكلم فيهم جرحاص وتعديلاً بحسب ضبطهم لما ينقلونه عن الإمام أحمد بطريقة السبر المعروفة عند المحدثين وهذا الذي فعله الخلال جعله له منة في رقبة كل حنبلي وصار المذهب مذهباً مكتمل الأركان
ويوجد في كل مذهب من فعل مثل الخلال بدرجات متفاوتة وأحياناً هذا الجهد يقوم به عدة أشخاص وفي بعض المذاهب لا يكون الأمر محتاجاً لبعض هذه الجهود لكون إمام المذهب نفسه قد صنف في مذهبه كما فعل الإمام الشافعي ولكن لما كانت جهود أحمد فتاوى متفرقة احتاجت لجهد الخلال في الترتيب والجمع
والسؤال هنا : هل ما فعله الخلال فريد من نوعه أم سبقه إلى نظير هذا الجهد بعض المتقدمين في القرون الفاضلة ؟
هذا يقودنا للحديث عن الشخص الذي اخترت التعريف به وهو التابعي عمرو بن دينار والذي أسميته العباسي الأول قياساً على دعواي أن الخلال الحنبلي الأول ( وذاك تجوز لفظي لا تقف عنده كثيراً )
عبد الله بن عباس رضي الله عنه ابن عم النبي صلى الله عليه وسلم شخصية محورية في تاريخ الأمة فكان نابغة يشركه عمر في مجالس الشورى وهو في العشرينات من عمره ثم طال به العمر وانتفع به الناس يعتبر من المكثرين في الرواية لأنه حمل علم كبار الصحابة وكان يرويه عن النبي صلى الله عليه وسلم مباشرة فمراسيل الصحابة صحاح لأنهم كلهم عدول
وهذا يبين لك غلط بعض الناس الذين يقولون البخاري متأخر فكيف جمع سنة النبي صلى الله عليه وسلم فيقال هو جمع ما جمعه المتقدمون وانتقى الأقوى وهو يروي بإسناده كما فعل ابن عباس حين جمع علوم الصحابة فصار مكثراً فكما لا تستغرب من كون ابن عباس يروي كثيراً عن النبي صلى الله عليه وسلم وما سمع منه إلا القليل فكذلك لا تستغرب من عالم جمع السنة الصحيحة بأسانيده إلى النبي صلى الله عليه وسلم فهو لم يزعم أن جهده ابتدائي بل هو بنى جهود علماء سبقوه
ولا تكاد تجد آية في كتاب الله إلا وروي فيها عن ابن عباس علم وعامة المسائل الفقهية الحيوية له فيها فتاوى وتتلمذ عليه الكثير من الصحابة والتابعين حتى إن عبد الرحمن بن عوف المبشر بالجنة كان يقرأ عليه القرآن كما في صحيح البخاري
فهذا المجهود العلمي العظيم كان يتطلب خدمة خاصة وقد وقع ذلك من عمرو بن دينار التابعي الثقة الثبت فقد أدرك ابن عباس وسمع منه ولكنه لم يتتلمذ عليه طويلاً
فقصد إلى تلاميذ عبد الله بن عباس الكبار ومواليه وتتلمذ عليهم أيضاً فسمع الحديث من عكرمة البربري وعطاء بن أبي رباح الحبشي وطاووس بن كيسان وهو يماني من الأبناء أصله فارسي ( وهكذا كانت عامة الأعراق تجتمع في حلقة ترجمان القرآن واللطيف عطاء الحبشي أخص تلاميذه ابن جريج وأصله رومي ) وتتلمذ عمرو على ابن أبي مليكة التيمي القرشي وعلى كريب وأبي معبد موالي عبد الله بن عباس وجابر بن زيد أبي الشعثاء وسعيد بن جبير ومجاهد بن جبر وأبي سلمة بن عبد الرحمن بن عوف
وهؤلاء كلهم تلاميذ ابن عباس فيهم المفسر وفيهم الفقيه وفيهم المحدث الثقة وفيهم من جمع كل ذلك كان يمكن عمرو بن دينار أن يكتفي بما سمعه من ابن عباس مباشرة أو يدعي أنه سمع منه ما لم يسمعه حقيقة ولكنه محدث فتتبع تلاميذ ابن عباس وكتب عنهم أخباره
هذا مع تتلمذه على صحابة آخرين وتابعين آخرين ولهذا كان يضرب بنهمه في العلم المثل
قال ابن سعد في الطبقات أخبرنا عفان بن مسلم قال: حدثنا حماد بن زيد قال: حدثني رجل قال: قال طاووس: إن ابن دينار هذا جعل أذنه قمعا لكل عالم . ( يعني جعل أذنه وعاء لكل عالم يضع فيه علمه )
وتجد في ترجمة أبي معبد مولى ابن عباس ما يلي قال الحميدى ، عن سفيان ، عن عمرو بن دينار : أخبرنى أبو معبد ، و كان من أصدق موالى ابن عباس .
وهذا يدل على أن عمراً وصل إلى مرحلة النقد والتقويم للآخذين عن ابن عباس وهذا يذكرنا بصنيع الخلال في أصحاب أحمد والمولى هو العبد المعتق.
=