=
=
ولهذا لما نهى الجهمية شيخ الإسلام عن التحديث بأخبار الصفات والإجابة في هذا الأمر وقالوا أنه يفتن العامة أجاب بقوله : وأما قول القائل: لا يتعرض لأحاديث الصفات وآياتها عند العوام: فأنا ما فاتحت عاميا في شيء من ذلك قط. وأما الجواب بما بعث الله به رسوله للمسترشد المستهدي؛ فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم {من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار} . وقال تعالى: {إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب أولئك يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون} . ولا يؤمر العالم بما يوجب لعنة الله عليه والله أعلم.
فالشيخ كان يجيب على الأسئلة التي ترده فمن فتن العامة هو من خالف فطرهم وظواهر النصوص وشككهم في صحاحهم فأوجب ذلك سؤال العلماء ولا يصلح أبداً أن تفشي باطلا في الناس ثم تأمر صاحب الحق أن يسكت لكي لا تكون فتنة بزعمك بل لو كان القولان متكافئين لما جاز ذلك إلا في حالات تكون أنت تذهب لإباحة ما ليس ضرورياً وهو ذريعة لمحرم قطعي وغيرك يذهب للمنع مطلقاً وقوله وجيه فيكون الأمر قريباً
وللشيخ جواب آخر أوسع كان من ضمنه قوله : الوجه الثاني: أن قول القائل: نطلب منه أن لا يتعرض لأحاديث الصفات وآياتها عند العوام ولا يكتب بها إلى البلاد ولا في الفتاوى المتعلقة بها، يتضمن إبطال أعظم أصول الدين ودعائمه التوحيد، فإن من أعظم آيات الصفات آية الكرسي التي هي أعظم آية في القرآن، كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح، و {قل هو الله أحد} [الإخلاص: 1] التي تعدل ثلث القرآن، كما استفاضت بذلك الأحاديث عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وكذلك فاتحة الكتاب التي لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولا في الفرقان مثلها، كما ثبت ذلك في الصحيح أيضا، وهي أم القرآن التي لا تجزئ الصلاة إلا بها فإن قوله: {الحمد لله رب العالمين} [الفاتحة: 2] {الرحمن الرحيم} [الفاتحة: 3] {مالك يوم الدين} [الفاتحة: 4] . كل ذلك من آيات الصفات باتفاق المسلمين،
ثم قال بعد كلام له : أن أعظم ما يحذره المنازع من آيات الصفات ما يزعم أن ظاهرها كفر وتجسيم كقوله تعالى: {وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون} [الزمر: 67] ، وقوله تعالى {وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان} [المائدة: 64] .: {ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين} وسرد آيات كثيرة
ثم قال : أن كتب الصحاح والسنن والمسانيد هي المشتملة على أحاديث الصفات، بل قد بوب فيها أبواب مثل كتاب التوحيد والرد على الزنادقة والجهمية " الذي هو آخر كتاب صحيح البخاري ومثل كتاب الرد على الجهمية في سنن أبي داود وكتاب النعوت " في سنن النسائي فإن هذه مفردة لجمع أحاديث الصفات وكذلك قد تضمن " كتاب السنة " من سنن ابن ماجه ما تضمنه وكذلك تضمن صحيح مسلم، وجامع الترمذي، وموطأ مالك. ومسند الشافعي، ومسند أحمد بن حنبل، ومسند موسى بن قرة الزبيدي، ومسند أبي داود الطيالسي، ومسند ابن وهب، ومسند أحمد بن منيع. ومسند مسدد، ومسند إسحاق بن راهويه، ومسند محمد بن أبي عمر العدني، ومسند أبي بكر بن أبي شيبة، ومسند بقي بن مخلد، ومسند الحميدي. ومسند الدارمي، ومسند عبد بن حميد، ومسند أبي يعلى الموصلي، ومسند الحسن بن سفيان، ومسند أبي بكر البزار، ومعجم البغوي، والطبراني،وصحيح أبي حاتم بن حبان، وصحيح الحاكم، وصحيح الإسماعيلي، والبرقاني، وأبي نعيم، والجوزقي، وغير ذلك من المصنفات الأمهات التي لا يحصيها إلا الله: دع ما قبل ذلك من مصنفات حماد بن سلمة، وعبد الله بن المبارك، وجامع الثوري، وجامع ابن عيينة، ومصنفات وكيع، وهشيم، وعبد الرزاق، وما لا يحصيه إلا الله.
فهل امتنع الأئمة من قراءة هذه الأحاديث على عامة المؤمنين، أو منعوا من ذلك. أم ما زالت هذه الكتب يحضر قراءتها ألوف مؤلفة من عوام المؤمنين قديما وحديثا، وأيضا فهذه الأحاديث لما حدث بها الصحابة والتابعون ومن اتبعهم من المخالفين، هل كانوا يخفونها عن عموم المؤمنين ويتكاتمونها ويوصون بكتمانها، أم كانوا يحدثون بها كما كانوا يحدثون بسائر سنن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وإن نقل عن بعضهم أنه امتنع من رواية بعضها في بعض الأوقات فهذا كما قد كان هذا يمتنع عن رواية بعض أحاديث في الفقه والأحكام وبعض أحاديث القدر والأسماء والأحكام والوعيد وغير ذلك في بعض الأوقات ليس ذلك عنده مخصوصا بهذا الباب
أقول : وما ذكرته من حال حديث الجارية وفشوه في الأمصار يؤكد مقالة الشيخ ولكلام الشيخ بقية نفيسة وقد انتشر في مواقع التواصل كلامه مبتوراً حتى اغتر به كثير من الأفاضل والعجيب أن يحيى بن أبي كثير الطائي اليمامي لا يعرفه عامة الطائيين والنجديين ولا أعلم أحداً بعد الصحابة أجل منه انتسب هاتين النسبتين.
الناصح الأول : لا تجعل ولدك يلعب بلعبة الفيديو الفلانية لأنها تطبع مع العري للإناث والشذوذ الجنسي
الناصح الثاني : لا تجعل ولدك يلعب بلعبة الفيديو الفلانية لأنها تشغله عن تحصيله الدراسي وقد سببت له إدمانًا
الناصح الثالث : لا تجعل ولدك يلعب بلعبة الفيديو الفلانية لأنني سمعت النفساني فلانًا يقول أنها تربي الأطفال على العنف المفرط
• أي النصائح الثلاثة أولى بالقبول في مجتمعاتنا وأي واحدة منها ستتلقى قدرا من السخرية والاتهام بتعقيد الأمور وتحريم كل شيء وحرمان الأطفال
لعل الأمر لا يحتاج إلى ذكاء كثير لكي نقول أَن النصيحة التي مأخذها شرعي محض هي أضعف النصائح في النفوس وفي مقابلها ستصبح هذه اللعبة من الضروريات التي في تحريمها عنت شديد على المسلمين
ولكن في مقابل النصيحتين الأخريين يصبح التخلي عن هذه اللعبة أمرًا يسيرًا !
هذه هي المشكلة الحاضرة في أذهان الكثير من المنتسبين للإسلام وهي أنهم تشبعوا بمنظومات حداثية موازية للإسلام حتى ما فيها من حق لا ينظر إليه من خلال الغائية التي بينها الدين بل ينظر إليها على أنها شيء مستقل
ووسائل الإعلام بمختلفها تغذي هذا المعنى إلا ما ندر منها
فكان حال الكثيرين مع أي تحذير أخروي أنهم يتسامحون في شأنه ويرونه بعيدا ولكن من حذرهم من ضرر قريب اعتبروه كل الاعتبار
( كلا بل تحبون العاجلة وتذرون الآخرة )
استحضر أنك هنا في دار اختبار وفي الاختبار ليس كل شيء على هوى المرء بل هناك أمور مستصعبة تغالب فيها هواك
وإيثار العاجلة هذا استفحل في نفوس كثيرين حتى نحتوا لأنفسهم آلهة عاجلة يرونها الآن وعبدوها
لهذا جاء ذكر الرؤية بعد الآية السابقة : ( وجوه يومئذ ناضرة إلى ربها ناظرة )
يعني وحدوا وما عبدوا وثنا ولا هوى ولا قدسوا إنسانًا ولا طبيعة فلما تساموا على المرئيات الحاضرة بعقولهم وفطرهم النقية وأدركوا قصورها ونقصها عن مقام الألوهية فكان الجزاء من جنس العمل بأن يروا من دلتهم عقولهم وفطرهم على توحيده ولم يروه بأبصارهم في الدنيا فتطابقت رؤيا البصر ورؤيا البصيرة وتلك اللحظة العظمى
وكذلك كل من تنزه عن شيء محرم عاجل لله كان العوض بالجنة التي دلت عليها العقول التي علمت أَن هذه الدنيا فانية وهي دار عبور لدار أخرى وأننا ما وجدنا فيها عبثًا بل لغاية عظيمة.
مغالطة الخلط بين تأثير السبب وحتميته
لو أن رجلاً قرأ على علبة السجائر أن التدخين مسبب رئيسي لمرض السرطان وأراد أن ينقض هذه الفكرة بعدما تضايق منها لأنه مدخن
فذهب وصور رجلاً يدخن ونشر صورته في مواقع التواصل الاجتماعي وكتب تحته : مدخن ولم يصب بالسرطان !
كلنا نراه قد مارس مغالطة ولكن ما نوع هذه المغالطة ؟
هي مغالطة الخلط بين تأثير السبب وحتميته فكون السبب مؤثراً فهذا لا يعني كون التأثير حتمياً بل هناك عوامل أخرى قد تقوي تأثير السبب وقد تضعفه
لعل هذا الكلام يبدو فلسفياً وعسيراً ولكن كلنا نمارسه في حياتنا بتلقائية ونراه في أمثلة كثيرة ونجد مثل ذلك في القرآن
فعلى سبيل المثال قوله تعالى : ( إنك لتهدي إلى صراط مستقيم ) هناك الكلام على التأثير السببي وقوله تعالى : ( إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء ) هنا الكلام على التأثير الحتمي
والتفريق بين الأمرين يضبط عندك أمر التوكل فأنت تبذل الأسباب وتعتقد تأثيرها ولكنك تعلم أن تأثيرها ليس حتمياً فيبقى قلبك متعلقاً بالله عز وجل داعياً مع بذلك للأسباب وهذا الباب غلط فيه طوائف من النظار فظنوا أن عدم الحتمية ينفي أصل التأثير ومن ها هنا دخلت الشبهة على الأشعرية في نفيهم تأثير الأسباب وأرجعوا شيء إلى المسبب الأول وهو رب العالمين ووقعوا في الجبر
وكذلك إذا جاء شخص وتكلم عن تأثر الرجل بالمرأة فإن التأثير لا يعني الحتمية
قال أبو نعيم في الحلية : حدثنا أبو أحمد ثنا محمد بن جعفر الأشعري ثنا إسماعيل بن يزيد ثنا محمد بن يزيد بن خنيس المكي قال: سمعت سفيان الثوري سئل عن قوله تعالى {وخلق الإنسان ضعيفًا} ما ضعفه؟قال: المرأة تمر بالرجل فلا يملك نفسه عن النظر إليها ولا هو ينتفع بها، فأي شيء أضعف من هذا؟.
وقد لا يقع له هذا إما لتقوى ومقدرته على غض البصر أو لِعنتٍ فيه (ضعف جنسي) أو انشغال خاطره بأمر أعظم من هذا كدر عليه عيشه أو أمور أخرى
ولهذا أمر رب العالمين بغض البصر ولو لم يكن لذلك أثر حسن على القلوب ما أمر به ، وأما النساء فالاستتار ولو لم يكن لذلك أثر حسن في الإعانة على غض البصر وسلامة القلوب ما أمر به ، وكل هذه أسباب مؤثرة لا تعني الحتمية فقد يوجد إنسان تقي لو تعرت امرأة أمامه لغض بصره من التقى ولكن هذا لا يعني أن الستر ليس سبباً مؤثراً بشكل إيجابي في أمر غض البصر وقد توجد امرأة يتعرض لها وهي مستترة وهذا لا يعني أن سترها لا علاقة له في كف القلوب والأبصار عنها ولكن التأثير لا يعني الحتمية علماً أن الأحوال التي يبطل فيها التأثير في هذه السياقات نادرة وفي العادة تكون نتيجة لتطبيق السياقات المضادة ففي مثل الرجل الذي غض بصره هو لم يصل إلى هذا التقى دفعة واحدة بل كان فيه ما في غيره ولكن لما نشأ في مجتمع كل ما فيه يعين على غض البصر تدرب على هذا حتى صار فيه سجية يفعلها في كل مكان وعلى كل حال وقد يكون الأمر ليس كذلك ولكنه قرأ في الرقائق وهذب نفسه حتى وصل إلى هذه المرحلة ، وفي مثال المرأة المستترة التي يتعرض لها ففي الغالب التعرض للنساء يكون مبدأه من ضعف الوازع الديني وانتشار التبرج في النساء والتهتك في الرجال فلا يعظ أحد منهما الآخر بحاله فيعتاد الرجال على التعرض للنساء حتى يبلغ ذلك إلى الصالحات المستترات ومع كل هذا يبقى الأمر محدوداً.
=
=
ومن الاستهانة بأمر الشهوة تجاه الجنس الآخر ونفي تأثيرها في العلاقة بينهما بحجة عدم وجود الحتمية إيراد بعض الناس حديث ( لم ير للمتحابين مثل النكاح ) وقد نشروه بين الشباب والشابات وأفهموهم أنه دليل على جواز العلاقات الغرامية قبل الزواج وتكون خاتمتها في الزواج !
وسبحان الله ما يصنع هؤلاء بشباب المسلمين هل يعقل عندك أن الشريعة التي حرمت إطلاق البصر وحرمت أن تضرب المرأة برجلها حتى لا يعلم ما تخفي من زينتها هذه الشريعة تبيح ما هو أعظم اضراماً للنيران في القلوب من ذلك ألا وهي العلاقات الغرامية ؟!
ولا يكاد رجل يتصدى للاستشارات الفقهية أو التربوية أو يعمل في سلك أمني إلا وتمر عليه الفواجع جراء انفتاح هذا الباب ففي كثير منها وقع تعلق مرضي وكان النصيب في جهة أخرى وبعضها تحول إلى قصص ابتزاز وبعضها انتهى إلى ما هو أعظم من ذلك
ألا تعرف حديث ( إلا كان الشيطان ثالثهما ) وإذا تذكرت ما قلت لك في أمر التأثير والحتمية تتساقط عندك اعتراضات البعض على هذا الخبر ، وأما بالنسبة للحديث المذكور فبعض طلبة العلم استروح لما قيل في تضعيف الحديث وترجيح إرساله غير أن متنه يمكن أن يحمل على معنى سليم فيقال أنه على الإرشاد لمن ابتلي بهذه البلية بمعنى أنك جئت لمريض فقلت له : علاجك كذا وكذا .
وليس معنى هذا تجويز التعرض لأسباب هذا المرض فيكون نظير حديث : ( من ابتلي من هذه القاذروات بشيء فليستتر بستر الله ) أو يحمل على الحال التي تذكر كثيراً في كتب الأدباء أن يهوى إنساناً فتاة في أيام الصبا ثم تحجب عنه بعد بلوغها فيبقى في قلبه وقلبها ما يبقى وهذا كثير يذكرونه في كتب الأدب
ولفتة أخيرة في الموضوع الملاحدة دائماً يسخرون من قول المؤمنين ( إن شاء الله ) و ( بتوفيق الله ) وينسبون المؤمنين إلى القول بعدم تأثير الأسباب ويصور بعضهم مسلماً في جزيرة بدعو الله فقط وآخر يبذل الأسباب لجلب العيش أو النجاة وهذا من الكذب والتهويل فالمسلمون لا ينفون تأثير الأسباب وإنما ينفون حتمية تأثير هذه الأسباب وهذا ما يقر به عامة العقلاء عند التأمل لتوقف الأمور على عوامل عديدة.
الزاهد البغدادي الفصيح
جاء في المختصر المحتاج إليه من تاريخ ابن الدبيثي :" محمد بن عبد الملك بن عبد الحميد الفارقي أبو عبد الله الزاهد نزيل بغداد
أنبأنا عمر بن علي القرشي قال: أبو عبد الله الفارقي الشافعي، قدم بغداد في صباه وسمع بها جعفر بن أحمد السراج وانقطع إلى الخلوة والمجاهدة والعبادة إلى أن لاحت له أمارات القبول، وكان العلماء والفضلاء يقصدونه ويكتبون كلامه الذي فوق الدر.
وكان متقللا خشن العيش.
قال ابن الدبيثي: وكان للفارقي مجلس يتكلم فيه على الناس كل جمعة من غير تكلف ولا روية والناس يكتبون سمعت أبا أحمد عبد الوهاب بن علي الصوفي يقول:
سمعت أبا عبد الله محمد بن عبد الملك الفارقي يقول: «المحبة نار زنادها جمال المحبوب وكبريتها الكمد وحراقها حرق القلوب ووقودها الفؤاد والكبد» . وروى لنا عنه جماعة.
ولد سنة سبع وثمانين وأربعمائة، وتوفي في رجب سنة أربع وستين وخمسمائة"
أقول : هذا الفارقي قال فيه الذهبي في سير أعلام النبلاء :" وكان فقيرا، متقللا، لا يدخر شيئا، لم يجئ بعد الشيخ عبد القادر _ يعني الجيلاني _ مثل الفارقي"
وكل من قرأ ترجمته تشوف لسماع كلامه الذي لم يحفظ في مصادر كثيرة للأسف وعامة تراجمه لا تستوفي ذكر مواعظه وحكمه ، غير أنني بحمد الله ظفرت بجمع وفير لكلامه في كتاب خريد القصر وجريدة العصر لمعاصره عماد الدين الأصفهاني _ والكتاب قليل النفع في تراجم الفضلاء لكنه حفظ لنا هذا الكنز وقد سمع الأصفهاني من الفارقي مباشرة _ وقد قال الأصفهاني : وسنورد من كلامه لُمَعاً يُستدلّ به على صفاء روحه، وخلوص رُوعه
فأورد شيئاً كثيراً من كلامه وحكمه وأدعيته فكان مما أورد من كلامه :" النفس الزكية زينتها نزاهتها، وعافيتها عفّتها، وجمالها جودُها، ورداؤها رِفْدُها، وطيلسانها إحسانها، وطهارتها ورعها، وغناها ثقتها بمولاها، وعلمها بأنه لا ينساها، وأنت يا طفا الهمة، من لم يُشرَّف بالخدمة، سرورك غرورك، فرحك فخُّك، مالك مالكك، غُلُّك بخلك، كَبْلك كِبرُك، شكوكك زبانيتك، همومك هاويتك، سلاسلك وساوسك، زينتك رعونتك، جمالك فتنتك، عافيتك آفتك، حرصك حبسُك، سَجّاتك نفسُك، قيدك إِلْفُك، إذا كان معك فمن تخاف، إذا كان عليك فمن ترجو، أعطيت الطبع للتوليد، والقلب للتوحيد، اللهم أنِر مصابيح أفهامنا بأنوار البيان، المُفضي بنا إلى الكشف والعيان، اللهم اجعلنا ممن جذبته يد العناية من أغوار الغرور"
وهذا سمت ذلك العصر في الوعظ ويلاحظ أن ابن عقيل وابن الجوزي كانا يحاكيان هذه الطريقة خصوصاً ما تراه في المدهش لابن الجوزي وقد انتقى منه ابن القيم كلمات في بدائع الفوائد وترى ابن القيم ينسج على هذا المنوال في مناسبات عديدة
ومن كلمات الفارقي العجيبة : إن الوردة إذا فتحت عينها ترى الأشواك قد اكتنفتها من سائر جهاتها فتقول: سبحان من خلَّص لطافتي من بين هذه الدغائل.
هو هنا نظر في قوله تعالى : ( وإن لكم في الأنعام لعبرة نسقيكم مما في بطونه من بين فرث ودم لبنا خالصا سائغا للشاربين )
فصار ينظر ويتدبر ما يشابه هذا المثال فخرج بمقالته أعلاه وهو هنا يجعل لسان الحال مقالاً وتلك جادة مطروقة عند البلغاء
ومن أدعيته العجيبة وإن كان سلفنا يكرهون السجع في الدعاء : اللهم سلِّم القلوب من سموم الهموم، بدِرياق الثقة بالرزق المقدور المقسوم.
إي والله أكثر الهموم تدخل على المرء من ضعف ثقته بالمقسوم فيحمل هم غد ويكلف نفسه ما لا تطيق إذ لا علم لها بالغيب ويدخل عليه الشيطان ويعده الفقر ويجعله بين عينيه ويورد عليه أسوأ الاحتمالات فتجده مهموماً كدراً في غير ما هم ، حتى أن بعضهم يعيش المصيبة مرات قبل أن تقع عليه من شدة توقعه لها وهذا التوقع لم ينفعه حرصاً في البعد عن أسبابها وربما تكون المصيبة مجرد وهم يتخيله ولا تصيبه ولا تقاربه حتى
ومن وعظه الحسن قوله : المهلة إرخاء عنان الأجل، لإصلاح الخلل، وأنت في ظلمة الأمل.
يعني أن طول عمرك لتزداد في الخير وتتوب من الذنوب إن كانت واليوم يحتفلون بطول العمر بمزيد معصية أو سرف في المباحات !
=
=
ومِن دعائه الطيب : اللهم ثبّت أقدام أدياننا على سَنَن العفّة والورع، ألبِسنا جلباب الصيانة والنزاهة عن الهوى المتَّبع، زيِّن قلوبنا بزينة اعتقاد الحق، حَلِّ ألسنتنا برونق قول الصدق، اجعل جواهر عقائدنا منظومة في سلك الكتاب والسنة، محفوظة بحُسن متابعة السلف الصالح أعلام الأمة
ومن كلامه العجيب : يا ميّتاً نُشِر من قبر العدم، بحُكم الجود والكرم، لا تنس سوالف العهود والذِّمَم.
هذا أخذه من قوله تعالى : ( كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتاً فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم ) وتلك موعظة تتهاوى أمامها كل الأهواء فاليوم الناس نسوا هذا المعنى وظنوا أنهم خالدون في الدنيا بقاء وما كان خلودهم فيها ابتداءً حتى يخلدوا فيها بقاء فما دام الأمر كذلك فعلام يزرون على الشرائع التي تعظم أمر الآخرة الباقية على الدنيا الفانية فيقولون حقوق إنسان وحريات يؤملون جنة في الأرض ضيعوا لأجلها جنة الآخرة وليتهم نالوها ما هي إلا جحيم عاجل قبل ذاك الآجل ولا يزالون تتوالى عليهم الخيبات ولا يعتبرون
ومن حكمه العجيبة : إذا استغنيتَ عن الكرام فأنت الكريم، وإذا رجوتَ اللئام فأنت اللئيم
وبعدما أورد الأصفهاني من كلامه الشيء الكثير قال : وفوائد شيخنا محمد الفارقي رحمه الله أكثر من أن تُحصر أو تُختصَر، ووصفه الشيخ أبو المعالي سعد الحظيري الورّاق في آخر مجلّد جمعه في كلامه وقال فيه: شيخٌ قتل الدنيا خُبراً وعلماً، وقبِل منها ما كان خيراً وغُنماً، فركب غارِب الزهد في الزهيد، وارتقب عازب الوعد والوعيد. إلى آخر كلامه وقد ساءني شيء كثير مما قرأته في هذا الكتاب ولكن غنيمة النظر في كلام الفارقي أذهبت عني كل ذلك لذا أنصح من أراد الوقوف على كلام الفارقي في هذا الكتاب أن يعمد إلى ترجمته مباشرة