كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

معالجة النبي صلى الله عليه وسلم لداء تقديس الأشخاص..

المصدر
معالجة النبي صلى الله عليه وسلم لداء تقديس الأشخاص.. روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه: أن رجلا تقاضى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأغلظ له فهم به أصحابه، فقال: «دعوه، فإن لصاحب الحق مقالا، واشتروا له بعيرا فأعطوه إياه» وقالوا: لا نجد إلا أفضل من سنه، قال: «اشتروه، فأعطوه إياه، فإن خيركم أحسنكم قضاء». وروى ابن ماجه في سننه عن أبي سعيد الخدري، قال: جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم يتقاضاه دينا كان عليه، فاشتد عليه، حتى قال له: أحرج عليك إلا قضيتني، فانتهره أصحابه، وقالوا: ويحك تدري من تكلم؟ قال: إني أطلب حقي، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «هلا مع صاحب الحق كنتم؟» ثم أرسل إلى خولة بنت قيس فقال لها: «إن كان عندك تمر فأقرضينا حتى يأتينا تمرنا فنقضيك» ، فقالت: نعم، بأبي أنت يا رسول الله، قال: فأقرضته، فقضى الأعرابي وأطعمه، فقال: أوفيت، أوفى الله لك، فقال: «أولئك خيار الناس، إنه لا قدست أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقه غير متعتع» أقول: في هذين الحديثين قطعٌ لمادة التعصب الضارة على الدين، فالغلو في الأفاضل من أوسعِ أودية الباطل وسبب غلو الغلاة أنهم يعظِّمون الفاضل لما يعلمون له من حسنات فيشق عليهم تخطئته خصوصاً إذا جاءت التخطئة بشدة وممن لا يُرغب أن يكون الحق قادماً من جهته، فهنا النبي صلى الله عليه وسلم أصل لأصحابه أصلاً مع أن الأعرابي أغلظ ولا حق له في هذه الغلظة وأساء للنبي صلى الله عليه وسلم. ولكنه لما كان صاحب حق بالجملة نبههم النبي صلى الله عليه وسلم إلى هذا المعنى فقال (إن لصاحب الحق مقالاً) وفي الحديث الآخر (هلا مع صاحب الحق كنتم) وهذا والله من دلائل النبوة لمن تدبر! والخبر وإن جاء في المداينات والقضايا المالية إلا أنه يشمل الأمور الدينية فالعبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. فإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم وهو البَّر التقي يُغلِظ له رجل بغير وجه حق ويقول ذلك، فما بالك بمن كانت زلته ظاهرة ولها ضررها على الناس فالتركيز والحال هذه على طريقة نقده وإهمال ما وقع منه بالكلية هو خلاف ما أرشد إليه النبي صلى الله عليه وسلم وخلاف ما يقتضيه الحرص على حفظ الشرع بل قد يكون باباً للتحزُّب والمشاحنات التي يكثر فيها اللَّغط ويخرج الناس عن حدِّ الاعتدال ويكون فيها من التحامل والآثام الشيء العظيم. والناس اليوم يعيشون حدِّية فمِن مستصغِر لما معه من الخير مستعظِم لكل زلة تصدر منه ولا يزال كذلك حتى يدخل في الوسواس وكثير منهم ترك ما معه من الخير وكان يكفيه أن يستغفر الله من ذنوبه ويسأله سبحانه الإخلاص والسداد ويستنصح من يثق بدينهم في أمره ويبقى على ما هو فيه من الخير ويعلم أن الأمر توفيق وفضل من الله. وهناك من يقابل هذا ممن يستعظم حسناته جداً -وهذا حال عامة طلاب الرياسة سواء في الدين أو في غيره- ويستصغر سيئاته حتى لا ينظُر فيها ولا يُظهِر الندم أو الاستغفار ومنهم من يتهم كل ناقد بالحسد والتربص علماً أن كون المرء حاسداً أو متربصاً فهذا لا يجعل ما يقوله من حقٍّ باطلاً فالحق حق كائناً من كان قائله ولصاحبِ الحق مقال. والحاسد والمتربص ضرره على نفسه إلا أن يحمله حسده هذا على قول الباطل والباطل مذموم ولو تكلم به ناصح نيته الخير، ولا يخلو متصدر من حساد ومتربصين ولكن هذا لا يبرِّر استصغار الزلل وطرد ذلك في كل نقد. وأما غلط المتبوع فضرره عام قال ابن تيمية كما في مجموع الفتاوى وهو يعدد الأسباب التي تبطل وسواس من يترك العمل المشروع خوفاً من الرياء : ((الثاني: لأن الإنكار إنما يقع على ما أنكرته الشريعة وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم {إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس ولا أن أشق بطونهم؟} وقد قال عمر بن الخطاب: من أظهر لنا خيرا أحببناه وواليناه عليه وإن كانت سريرته بخلاف ذلك. ومن أظهر لنا شرا أبغضناه عليه وإن زعم أن سريرته صالحة. الثالث: أن تسويغ مثل هذا يفضي إلى أن أهل الشرك والفساد ينكرون على أهل الخير والدين إذا رأوا من يظهر أمرا مشروعا مسنونا قالوا: هذا مراء فيترك أهل الصدق والإخلاص إظهار الأمور المشروعة حذرا من لمزهم وذمهم فيتعطل الخير ويبقى لأهل الشرك شوكة يظهرون الشر ولا أحد ينكر عليهم وهذا من أعظم المفاسد)). والمرء يتحرى الإخلاص والأصلح ناقداً ومنقوداً وليس كل ناقد مصيباً وليس كل مصيب حسن النية ولكن الحق يُقبَل مِن قائله كائناً من كان ، ومن أصاب أصل الحق فعليه ألَّا يبغي فيضخِّم المخالفة اليسيرة أو ينسب للطرف الآخر ما لم يقُل ولا يشغل نفسه بالمنتقَد إن كان من أهل العناد أو المماحكة أو المبالغة بالتظلم بل يبيِّن الحق ثم يمضي لشأنه وإن لزم بيان حق في شيء التبس بيَّنه سائلاً المولى أن يعيذه من شر نفسه.