كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

قال ابن كثير في البداية والنهاية :" مَنْصُورُ بْنُ الظَّاهِرِ مُحَمَّدِ بْنِ الن

المصدر
قال ابن كثير في البداية والنهاية :" مَنْصُورُ بْنُ الظَّاهِرِ مُحَمَّدِ بْنِ النَّاصِرِ أَحْمَدَ بُويِعَ بِالْخِلَافَةِ يَوْمَ مَاتَ أَبُوهُ يَوْمَ جُمُعَةٍ ثَالِثَ عَشَرَ رَجَبٍ مِنْ هَذِهِ السَّنَةِ، سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ، اسْتَدْعَوْا بِهِ مِنَ التَّاجِ، فَبَايَعَهُ الْخَاصَّةُ وَالْعَامَّةُ مِنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا، وَكَانَ عُمْرُهُ يَوْمَئِذٍ خَمْسًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً وَخَمْسَةَ أَشْهُرٍ وَأَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا، وَكَانَ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ شَكْلًا وَأَبْهَاهُمْ مَنْظَرًا، وَهُوَ كَمَا قَالَ الْقَائِلُ: كَأَنَّ الثُّرَيَّا عُلِّقَتْ فِي جَبِينِهِ ... وَفِي خَدِّهِ الشِّعْرَى وَفِي وَجْهِهِ الْقَمَرْ وَفِي نَسَبِهِ الشَّرِيفِ خَمْسَةَ عَشَرَ خَلِيفَةً، مِنْهُمْ خَمْسَةٌ مِنْ آبَائِهِ، وَلُوا نَسَقًا وَتَلَقَّى هُوَ الْخِلَافَةَ عَنْهُمْ وِرَاثَةً كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ، وَهَذَا شَيْءٌ لَمْ يَتَّفِقْ لِأَحَدٍ مِنَ الْخُلَفَاءِ قَبْلَهُ، وَسَارَ فِي النَّاسِ كَسِيرَةِ أَبِيهِ الظَّاهِرِ فِي الْجُودِ وَحُسْنِ السِّيرَةِ وَالْإِحْسَانِ إِلَى الرَّعِيَّةِ. وَبَنَى الْمَدْرَسَةَ الْكَبِيرَةَ الْمُسْتَنْصِرِيَّةَ الَّتِي لَمْ تُبْنَ مَدْرَسَةٌ فِي الدُّنْيَا مِثْلُهَا، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى، وَاسْتَمَرَّ أَرْبَابُ الْوِلَايَاتِ الَّذِينَ كَانُوا فِي عَهْدِ أَبِيهِ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ، وَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ الْمُقْبِلَةِ خُطِبَ لِلْإِمَامِ الْمُسْتَنْصِرِ بِاللَّهِ عَلَى الْمَنَابِرِ، وَنُثِرَ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ عِنْدَ ذِكْرِ اسْمِهِ، وَكَانَ يَوْمًا مَشْهُودًا، وَأَنْشَدَ الشُّعَرَاءُ الْمَدَائِحَ وَالْمَرَاثِيَ، وَأُطْلِقَتْ لَهُمُ الْخِلَعُ وَالْجَوَائِزُ. وَقَدِمَ رَسُولٌ مِنْ صَاحِبِ الْمَوْصِلِ يَوْمَ غُرَّةِ شَعْبَانَ مَعَ الْوَزِيرِ ضِيَاءِ الدِّينِ أَبِي الْفَتْحِ نَصْرِ اللَّهِ بْنِ الْأَثِيرِ، فِيهَا التَّهْنِئَةُ وَالتَّعْزِيَةُ بِعِبَارَةٍ فَصِيحَةٍ بَلِيغَةٍ. ثُمَّ إِنَّ الْمُسْتَنْصِرَ بِاللَّهِ كَانَ يُوَاظِبُ عَلَى حُضُورِ الْجُمُعَةِ رَاكِبًا ظَاهِرًا لِلنَّاسِ، وَإِنَّمَا مَعَهُ خَادِمَانِ، وَرَكْبُ دَارٍ، وَخَرَجَ مَرَّةً وَهُوَ رَاكِبٌ، فَسَمِعَ ضَجَّةً عَظِيمَةً، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ فَقِيلَ لَهُ: التَّأْذِينُ. فَتَرَجَّلَ عَنْ فَرَسِهِ، وَسَعَى مَاشِيًا، ثُمَّ صَارَ يُدْمِنُ الْمَشْيَ إِلَى الْجُمُعَةِ رَغْبَةً فِي التَّوَاضُعِ وَالْخُشُوعِ، وَيَجْلِسُ قَرِيبًا مِنَ الْإِمَامِ، وَيَسْتَمِعُ الْخُطْبَةَ، ثُمَّ أُصْلِحَ لَهُ الْمُطْبِقُ، فَكَانَ يَمْشِي مِنْهُ إِلَى الْجُمُعَةِ، وَرَكِبَ فِي الثَّانِي وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَعْبَانَ رُكُوبًا ظَاهِرًا لِلنَّاسِ عَامَّةً، وَلَمَّا كَانَتْ أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ تَصَدَّقَ بِصَدَقَاتٍ كَثِيرَةٍ مِنَ الدَّقِيقِ وَالْغَنَمِ وَالنَّفَقَاتِ عَلَى الْعُلَمَاءِ وَالْفُقَرَاءِ وَالْمَحَاوِيجِ، إِعَانَةً لَهُمْ عَلَى الصِّيَامِ، وَتَقْوِيَةً لَهُمْ عَلَى الْقِيَامِ" وقال الذهبي في تاريخ الإسلام :" وفيها تكاملَ بناءُ المدرسة المستنصريّة ببغداد، ونُقِلَ إليها الكتبُ وهي مائة وستّون حِمْلًا، وعدّة فقهائها مائتان وثمانية وأربعون فقيها من المذاهب الأربعة، وأربعةٌ مدرّسون، وشيخُ حديث، وشيخ نحوٍ، وشيخُ طبّ، وشيخُ فرائض. فرُتِّب شيخُ الحديث أَبُو الْحَسَن ابن القطيعيّ . ورتّب فِيهَا الخبزُ والطَبيخُ والحلاوةُ والفاكهةُ. فأنبأني محفوظ ابن البُزُوريّ، قَالَ: تكامل بناءُ المستنصرية وجاءت فِي غاية الحُسن ونهايته، وخُلِعَ عَلَى أستاذ الدّار العزيزة متولّي عمارتها، وعلى أخيه عَلَم الدّين أبي جعفر ابن العَلْقَمِيّ، وعلى حاجبه، وعلى المِعْمار، وعلى مُقَدَّم الصُّنّاع. ونُقِلَ إلى خزانَة الكتب كثيرٌ من الكتب النّفيسة، فبلَغَني أنّه حُمِلَ إليهَا ما نقله مائة وستون حمّالا، سوى ما نُقل إليها فيما بعدُ، وأُوقفت، وجُعل الشيخُ عَبْد العزيز شيخ الصُّوفيّة برباط الحريم، وخازن كُتُب دار الخلافة، هُوَ وولده ضياء الدّين أَحْمَد ينظران في ترتيبها، فرتّبا الكتب أحسنَ ترتيب. وفي بعض الأيّام اتّفق حضورُ أمير المؤمنين عندهما لينظر، فسلَّم عَلَيْهِ عَبْد العزيز وتلا قوله تعالى: تَبارَكَ الَّذِي إِنْ شاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْراً مِنْ ذلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً 25: 10 فخشع المستنصرُ باللَّه أمير المؤمنين، وردَّ عَلَيْهِ السَّلام، وكلَّمه، وجَبَرَ قلبهُ. وشُرِطَ لكلّ مدرسٍ أربعةُ معيدين، واثنان وستّون فقيها، وأن يكون بالدّار المتّصلة بالمدرسة ثلاثون يتيما يتلَّقنون _ يعني تتم تربيتهم وتنشئتهم على نفقة الدولة _ " = = وقال الذهبي أيضاً :" 677- عَلِيّ بن إِبْرَاهِيم البغداديّ البُزُوري. شيخُ صالح، مُعتبر، كثير البرِّ والصَّدَقَة والمُروءةِ، راغبٌ فِي الخيرات، لَهُ حَجَّاتٌ عديدة. وفُوِّضَ إِلَيْهِ سبيلُ أمير المؤمنين المستنصر باللَّه _ يعني وقف المستنصر _، فحُمِدَت فِيهِ سيرتُه. ولمّا حضرَهُ الموتُ تصدّق بثلث ماله. أنبأني بذلك نسيبه أبو بكر ابن البُزُوريّ وقال: تُوُفّي فِي المحرَّم، وصَلَّى عَلَيْهِ الخَلْقُ العظيم" قال ابن النجّار عن المستنصر: فنشر العدلَ فِي الرعايا، وبَذَلَ الإنصافَ فِي القضايا، وقَرَّبَ أهلَ العلمِ والدّين، وبنَى المساجدَ والرُّبط والمدارسَ والمارستانات_ يعني المستشفيات _، وأقامَ منارَ الدينِ، وقَمَعَ المتمرِّدة، ونَشَرَ السُّنَنَ، وكَفَّ الفِتَنَ وحَمَلَ الناسَ عَلَى أقومِ سَنَنِ، وقامَ بأمر الجهاد أحسنَ قيام، وجَمَعَ الجيوش لنُصْرةِ الإِسلْام، وحَفِظَ الثُّغورَ، وافتتحَ الحُصون. إلى أن قَالَ: وكان أبيضَ، أشقرَ الشَّعْرِ، ضَخْمًا، قصيرا، وَخَطَّهُ الشيبُ، فخَضَبَ بالحِنَّاء، ثم تَرَكَ الخِضَابَ. وقال المُوَفَّق عبدُ اللطيف: بُويعَ أَبُو جعْفَر، وسارَ السِّيرةَ الجميلةَ، وعَمَّرَ طرق المعروف الداثرة، وأقام شعائر الدينِ ومنارَ الإسلامِ، وعَمَّرَ بسخَائِه وبَذْلِه. رحمه الله وقد كانت أمه جارية تركية وابنه المستعصم الذي قتله التتر وأما هذا الأب فمشهور أنه هزم التتر في أرضهم