كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

ولا زال الحمق فاشيًا

المصدر
ولا زال الحمق فاشيًا قال أبو منصور الأزهري في كتابه تهذيب اللغة (١١/١٤٦): أَخْبرنِي المنذريُّ، عَن ثَعْلَب أَنه سُئِلَ عَن قَوْله: (من أجْبَى فقد أربى). فَقَالَ: لَا خِلافَ بَيْننَا، أنهُ من بَاعَ زَرْعًا قبل أَن يُدْرِك، كَذَا قَالَ أَبُو عبيد، فَقيل لَهُ: قَالَ بَعضهم: أَخطَأ أَبُو عُبيد فِي هَذَا، من أَيْن كَانَ زَرْعٌ أَيَّام النَّبِي عَلَيْهِ السَّلَام؟ فَقَالَ: هَذَا أحْمق. أَبُو عبيد تَكَلّمَ بِهَذَا على رُؤُوس الخَلْق وَتكلم بعده الخلقُ من سنة ثمانَ عشْرَة إِلَى يَوْمنَا هَذَا لم يُرَدّ عَلَيْهِ. أقول: أبو عبيد المذكور هنا هو أبو عبيد القاسم بن سلام، الإمام الشهير من طبقة شيوخ البخاري، له كتاب في غريب الحديث جاء إلى عامة الألفاظ الغريبة في أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وشرحها. وكتابه هذا قرأه عليه كبار المحدثين مثل يحيى بن معين وعلي ابن المديني، وإن كانوا في طبقته أو أكبر منه ولكنهم أرادوا أن ينتفعوا من علمه باللغة وفقهه. هنا إمام اللغة ثعلب يذكُرُون له شرح أبي عبيد على حديث معين وأن أحدهم تعقَّب أبا عبيد بأنه فاتته معلومة بديهية عن حال رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال ثعلب في هذا المتعقِّب إنه أحمق، وذلك أن أبا عبيد إمام جليل ولا يمكن أن تفوته معلومة بديهية، وإن فاتته فقد قرأ كتابه على رؤوس الأشهاد وما تعقَّبه أحد في هذه النقطة مع وجود من صنف وتعقَّبه في مسائل كابن قتيبة. فنعم أبو عبيد ليس معصومًا ويمكن إثبات غلطه، ولكن أن تزعم أنه خالف قضية بديهية وفات ذلك عليه وعلى الأئمة الكبار الذين قرأوا الكتاب عليه وعلى عامة الناس فهذا حمق، وإنما يُتصوَّر هذا في المسائل الدقاق. وهذا الذي وصفه ثعلب بالحمق -وافقنا ثعلبًا أم خالفناه- أولى منه بالوصف بالحمق من يأتي إلى إجماعات للفقهاء ويزعم أنها تخالف الأدلة وتخالف الأصل. أو من يأتي لحديث في الصحيح واشتهر في عشرات المصنفات وتداوَله العلماء في طبقات عديدة، فلا يزعم أنه معلول أو أنه خالف حديثًا آخر فحسب، بل يزعم أنه يخالف القرآن بشكل مقطوع به! وكأن الأئمة لا يعرفون القرآن. وقريب منهم -وإن لم يساوِهم- من يزعم أن أئمة الجرح والتعديل في زمان الرواية يتتابعون على جرح رجل بألفاظ شديدة لا يقولونها في غيره إلا نادرًا، ويعدِّدون أسباب الكلام فيه، حتى إنهم لا يتركون له فضيلة، فيتكلمون في عقيدته وفقهه وحديثه، ثم يكون هذا الرجل على أعلى الدرجات من العدالة، ويستمر ذلك فيهم ليس من عام ١٨ ( يعني ومائتين ) إلى أيام ثعلب وليس ذلك بعيدا ، بل مئات الأعوام، ثم نجعل كلام من جاء بعدهم حاكمًا عليهم، والمتأخر شاهد بفضل المتقدم فكيف نجعله حاكمًا عليه.