كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

التدرج في اكتساب الفضائل، وعلاقة العفة بتعوُّد الوضوح

المصدر
التدرج في اكتساب الفضائل، وعلاقة العفة بتعوُّد الوضوح إذا أراد الإنسان اكتساب فضيلة تُنازعه نفسه إلى ضدها، فإنه في الغالب لن يصل إلى أعلى مراتبها دفعة واحدة. بل لا بد من تحقيق أحوالها الصغيرة، فمثلًا من تعوَّد الصدق وتحرَّاه حتى في الأمور التي لا ضرر فيها، أوشكَ أن يقول الصدق في أمور يَستعظم الناس الصدق فيها. ومَن تعوَّد الجود بالأشياء اليسيرة التي لا يضر كثيرًا الجود بها، أوشكَ أن يجود بالشيء العظيم.. وهكذا. إذا فهمت هذا فلعلَّك تدرك شيئًا من حكمة ذكر آية الاستئذان في سورة النور: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّىٰ تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَىٰ أَهْلِهَا ۚ ذَٰلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ". هذه الآية جاءت بعد آيات الإفك المتضمِّنة للنهي عن القذف والفواحش، وبعدها جاء النهي عن الزنا وذرائعه مِن تبرج النساء وإطلاق النظر المحرم. فما المناسبة بين آية الاستئذان وموضوع الزنا والفواحش؟ الجواب والله أعلم أن في الأمر تربية على أصل الفضيلة التي ينبع منها العفاف، وهي فضيلة الوضوح والبعد عن الريب واحترام حرمات البيوت. فإن أهل الفواحش عملهم في السر، وعادتهم عدم احترام حرمات البيوت. فمن تعوَّد الوضوح واحترام حرمات البيوت في أمر الاستئذان (اليسير) اكتَسَب الأصل، وصار من باب أولى محترِمًا لها في الأمر العظيم (الأعراض). وقد ورد في الحديث "إنما جُعِل الاستئذان من أجل البصر". ومن يتدبَّر في دقة الشريعة وكيف أنها إذا دعت إلى فضيلة أعلمتك طرق اكتسابها، وإذا نهت عن رذيلة أعلمتك طرق التخلص منها، عَلِم شيئًا من وجوه فضل هذه الشريعة على المنظومات الوضعية. وتأمَّل أن قوله تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ" ورد في هذه السورة، وعامة ما فيها شارح لهذا الأمر، فجمع فيها بين النهي عن القذف والنهي عن الزنا وذرائعه، وذلك أن الرضا بأحد الأمرين يأتي بالآخر، وحضَّ على غض البصر وأمر بالحجاب، وهذا غاية الكمال، وما سوى ذلك منظومة عوراء، إما أن تعمى أو ينعم الله عليها فتبصر بعينين. ولا يأتيك شاب ابتلي بعلاقات محرمة أو إدمان إباحيات إلا من تتبُّع خطوات الشيطان واستسهال بعض الأمور التي رآها يسيرة فما لبث أن أوقعه ذلك في عظائم. أمر الشهوة لا ينبغي التساهل معه، ولا يُسمع لمن يتساهل في هذا الأمر، فهو أشد ما تُعمل به الذرائع، خصوصًا في أزمنة فشو الفتن، اقرأ سورة النور وتدبَّرها جيدًا تجِدْ هذا الأمر ماثلًا أمامك بما يغنيك عن كثير مِن تتبُّع الجدل الذي تراه هنا وهناك.