=
=
فلما كان من بداية أمره لا يؤمن بالمجردات التي توصف بالذهن ولا وجود لها في الخارج فهي عدم مال إلى اعتقاد الحنابلة الذي هو اعتقاد السلف الذين يثبتون لله عز وجل الفوقية، فما كان لا داخل العالم ولا خارجه ولا يتصف بالحركة والسكون هو عدم لا وجود له.
نقل ابن بطة عن بعض أئمة السلف في الإبانة قوله: "فإذا قال القائل: نخلة علم السامع أن النخلة لا تكون إلا بهذا الاسم نخلة، فلو قال: نخلة وجذعها وكربها وليفها وجمارها ولبها وخوصها وتمرها كان محالا، لأنه يقال: فالنخلة ما هي إذا جعلت هذه الصفات غيرها؟ أرأيت لو قال قائل: إن لي نخلة كريمة آكل من تمرها غير أنه ليس لها جذع ولا كرب ولا ليف ولا خوص ولا لب وليس هي خفيفة، وليس هي ثقيلة، أيكون هذا صحيحا في الكلام؟ أوليس إنما جوابه أن يقال: إنك لما قلت: نخلة عرفناها بصفاتها، ثم نعت نعتا نفيت به النخلة. فأنت ممن لا يثبت ما سمى إن كان صادقا، فلا نخلة لك".
قال ابن تيمية في بيان تلبيس الجهمية: "ولهذا يعترف هذا الرازي بأن النزاع بينهم وبين المعتزلة في الرؤية قريب من اللفظي، فعلم أن هؤلاء حقيقة باطنهم باطن المعتزلة الجهمية المعطلة وإن كان ظاهرهم ظاهر أهل الإثبات، كما أن المعتزلة عند التحقيق حقيقة أمرهم أمر الملاحدة نفاة الأسماء والصفات بالكلية وإن تظاهروا بالرد عليهم، والملاحدة حقيقة أمرهم حقيقة من يجحد الصانع بالكلية هذا لعمري عند التحقيق".
فهذا الفيلسوف مثال لما قاله ابن تيمية كما في الفتاوى الكبرى: "ومن أحكم العلوم حتى أحاط بغاياتها رده ذلك إلى تقرير الفطر على بداياتها، وإنما بعثت الرسل لتكميل الفطرة؛ لا لتغييرها: {فطرت الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله} [الروم: 30]".
فهو فهم حقيقة مقالات الفلاسفة وأنها الإلحاد بعينه وتأثر المتكلمين بها، وكانت قد أثرت عليه عقدياً وسلوكياً فتركها ومال إلى الفطرة التي في ظواهر النصوص والتي يحتقرها أهل الكلام ويسمون أهلها حشوية.