كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

عقول الصحابة أم عقولهم

المصدر
عقول الصحابة أم عقولهم أخبرني أحد الأخوة أن أحدهم يقول لا يقع في عقلي أن فلاناً مع كبار المنسوبي للأشعرية يغلط في العقيدة ويصيب فيها ابن عثيمين ! ومع كونها مقارنة غبية فلماذا لا يذكر أئمة السلف وكبار الحنابلة الذين ينتسب إليهم زوراً في مقابل المعظم عنده من الأشعرية ولكنني سأخبره أمراً ألا وهو أن الأشعرية يصرحون أحياناً ويلمحون أخرى أن عقولهم تستوعب التوحيد بشكل أحسن من عقول الصحابة وكبار علماء الأمة المتفق عليهم وإليك نصوصهم : ١_ قال العز بن عبد السلام في «قواعد الأحكام» ( 1/202 ) : ولا سيما قول معتقد الجهة فإن اعتقاد موجود ليس بمتحرك ولا ساكن ولا منفصل عن العالم ولا متصل به , ولا داخل فيه ولا خارج عنه لا يهتدي إليه أحد بأصل الخلقة في العادة , ولا يهتدي إليه أحد إلا بعد الوقوف على أدلة صعبة المدرك عسرة الفهم فلأجل هذه المشقة عفا الله عنها في حق العامي ولذلك كان صلى الله عليه وسلم لا يلزم أحدا ممن أسلم على البحث عن ذلك بل كان يقرهم على ما يعلم أنه لا انفكاك لهم عنه , وما زال الخلفاء الراشدون والعلماء المهتدون يقرون على ذلك مع علمهم بأن العامة لم يقفوا على الحق فيه ولم يهتدوا إليه ،وأجروا عليهم أحكام الإسلام من جواز المناكحات والتوارث والصلاة عليهم إذا ماتوا وتغسيلهم وتكفينهم وحملهم ودفنهم في مقابر المسلمين , ولولا أن الله قد سامحهم بذلك وعفا عنه لعسر الانفصال منه ولما أجريت عليهم أحكام المسلمين بإجماع المسلمين , ومن زعم أن الإله يحل في شيء من أجساد الناس أو غيرهم فهو كافر لأن الشرع إنما عفا عن المجسمة لغلبة التجسم على الناس فإنهم لا يفهمون موجودا في غير جهة بخلاف الحلول فإنه لا يعم الابتلاء به ولا يخطر على قلب عاقل ولا يعفى عنه". فهنا العز بن عبد السلام يصرح أن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء الراشدون كانوا يقرون الناس على التجسيم لأن عقيدة التنزيه الأشعرية لا تدل عليها الفطر ( لا يهتدي إليه أحد بأصل الخلقة ) ولا يدل عليه العقل إلا بعسورة ( بل بعد البحث العقل يكتشف أنه سفسطة ) وأن النبي والخلفاء الراشدين أقروا الناس على هذه العقائد مع علمهم أنهم لا يعرفون التنزيه الحق وهو هنا يتكلم عن القرون الفاضلة ! ٢_ قال ابن حجر في «الفتح» (20/ 491) :" وَقَالَ الْقُرْطُبِيّ : وقد ثبت في الرواية الأخرى وكأن لفظ الشخص أطلق مبالغة في إثبات إيمان من يتعذر على فهمه موجود لا يشبه شيئا من الموجودات لئلا يفضي به ذلك إلى النفي والتعطيل وهو نحو قوله صلى الله عليه وسلم للجارية أين الله قالت في السماء فحكم بإيمانها مخافة أن تقع في التعطيل لقصور فهمها عما ينبغي له من تنزيهه مما يقتضي التشبيه تعالى الله.. سبحان الله ! ، النبي صلى الله عليه وسلم يقول ( مؤمنة ) وهو يقول ( قاصرة الفهم عن التنزيه ) ، ويزعم أن النبي أقرها على التشبيه مخافة أن تقع في التعطيل ولهذا قال لهم ابن تيمية كما في «التسعينية» أنكم انتقصتم الصحابة انتقاصاً لم تفعله الرافضة. ٣_ قال ابن جماعة في رسالته «إيضاح الدليل» : "ولقد أنكر على الدارقطني وابن خزيمة رواية مثل هذه الأحاديث وإيداعها في مصنفاتهم من غير مبالغة في الطعن في أمثالها وإنما غلب على كثير من المحديثن مجرد النقل والإكثار من الغرائب مع جهلهم بما يجب لله تعالى من الصفات وما يستحيل عليه بأدلة ذلك القطعية القاطعة عند أهل النظر والعلم إذ قنعوا من العلم بمجرد النقل". وهذا الذم لا يخص الإمامين الكبيرين ابن خزيمة والدارقطني بل هو شامل لعامة المحدثين، ويكفيك أن تعلم أن حديث الجارية مثلاً هو في «الموطأ» لمالك و«الأم» للشافعي، وانظر إليه وهو يصرح أنهم يجهلون ما يجب لله وما يستحيل عليه. ٤_ ولم يقف الأمر على استجهال السلف والمحدثين والفقهاء بل وصل لجماعة من المتكلمين ففي شرح النووي على صحيح مسلم على لسان القاضي عياض : "فمن قال بإثبات جهة فوق من غير تحديد ولا تكييف من المحدثين والفقهاء والمتكلمين تأول في السماء أي على السماء." فهو هنا يعترف بأن من المحدثين والفقهاء والمتكلمين من أثبت العلو لله عز وجل. ثم قال معقباً عليهم بعدما ذكر قول المؤولين: "واتفقوا على تحريم التكييف والتشكيل وأن ذلك من وقوفهم وإمساكهم غير شاك في الوجود والموجود وغير قادح في التوحيد بل هو حقيقته ثم تسامح بعضهم بإثبات الجهة خاشيا من مثل هذا التسامح وهل بين التكييف وإثبات الجهات." فهو يراهم حين أثبتوا العلو وقعوا في المحظور وخالفوا المعقول ويتعجب منهم كيف ينفون التكييف ويثبتون العلو وهو اعتراض هش فالمنفي هو معرفة الكيفية وإلا أصل الصفات ثابت باتفاق الجميع وإنما اختلفوا فيما يثبت وما ينفى. فالأمر ليس عقل ابن عثيمين بل عقول الصحابة والجارية المشهود لها بالإيمان منهم وعقول الفقهاء والمحدثين وكثير من المتكلمين.