كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

هيبة ملك الملوك سبحانه ومقامات الخشية في قلوب العباد..

المصدر
هيبة ملك الملوك سبحانه ومقامات الخشية في قلوب العباد.. يهاب الناس الملوك والرؤساء ومن فوقهم بحسب عدة اعتبارات: فإذا كان لهؤلاء المتبوعين عيون ينقلون لهم أخبار الناس فإن المرء يخشاهم بدرجة. وإذا كان هذا المتبوع يراك بنفسه فإن الخشية تكون أعظم. وكلما كانت مملكته أعظم وصلاحياته أعظم كانت الخشية منه أكبر. فإذا كان مصير الإنسان عائد إلى هذا الشخص كانت الخشية منه أعظم. وإذا كان صاحب فراسة ويعلم ببواطن الأمور ويستدل عليه كانت الخشية منه أكبر. فإذا نظرت في أوصاف الله عز وجل في القرآن وجدت أن مقامات الخشية تترقى شيئاً فشيئاً في النفس من خلال الحديث عن أسماء الله وصفاته. قال تعالى: {هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم والله بما تعملون بصير (4) له ملك السماوات والأرض وإلى الله ترجع الأمور (5) يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وهو عليم بذات الصدور}[الحديد]. هنا أول مقامات الخشية أن تعلم الله عز وجل خلق كل شيء ثم استوى على عرشه سبحانه فهو بائن من خلقه. وقد يقع في نفس الجاهل أن الله عز وجل ما دام بائناً من خلقه عالياً على خلقه فقد يوسوس له الشيطان في علم الله عز وجل فقال سبحانه: {يعلم ما يلج في الأرض وما يخرج منها وما ينزل من السماء وما يعرج فيها وهو معكم أين ما كنتم} وقد يتوهم المتوهم أنه كملوك الدنيا يعلم عن طريق العيون والأتباع فقال سبحانه: {والله بما تعملون بصير} فتأمل أن ملكا ممكنا يعلم بأحوالك عن طريق المشاهدة لا الإخبار فهذا أدعى للخشية. ثم ذكر مقاماً آخر من مقامات الخشية {له ملك السماوات والأرض وإلى الله ترجع الأمور} فالملك يخشى إذا كان رزقك الآن بيده ومصيرك إليه، والله عز وجل ملك الملوك ما من رزق إلا بيده ثم المصير ثواباً وعقاباً بيده. ثم ذكر مقاماً آخر من مقامات الخشية في قوله تعالى {يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل وهو عليم بذات الصدور} فعادة يسأل الملاحدة الحمقى (هل الله الذي خلق الكون يهتم بدقائق الأمور)؟ فجاء تركيب الآية راداً عليهم، وأن تصريف الله عز وجل لعظائم الأمور التي تتعلق بكل المخلوقات لا تلهيه عن دقائق الأمور حتى أنه يعلم ما في صدورهم، فهو سبحانه ليس عالماً بظواهرهم فحسب يبصرها ويسمعها كلها بل عليم بنواياهم وما تكنه أنفسهم. فلا يخشى الناس مهيباً في الدنيا إلا والخشية لله عز وجل ينبغي أن تكون أعظم. وتأمل تدرج الآيات بمقامات الخشية فإنه أمر عجيب.