حسن حنفي والمأساة المتكررة (لستم أرحم من رب العالمين)..
حسن حنفي والمأساة المتكررة (لستم أرحم من رب العالمين)..
توفي اليوم رجل اشتهر بإنكاره لأمور معلومة من الدين بالاضطرار زندقته معلومة، وكتب العديد من طلبة العلم في تعديد مخازيه على إثر ترحم بعض المشاهير عليه.
غير أنني أود إجمال التعليق على هذا الأمر في عدة نقاط، وذلك أن هذا أمر متكرر قائم على تصورات فاسدة:
النقطة الأولى: حكم التكفير أو عدمه حكم شرعي مبني على أدلة ومنهج علمي، ووجود أناس غلاة لا يبيح إغلاق الباب بالكلية.
يظن بعض الناس أن التكفير هو سلوك انفعالي عند بعض الشباب المتشدد ويحصره في هذا السياق، أو قراءة دينية منحرفة عند بعض الغلاة؛ ووجود هذين السياقين لا ينفي وجود تكفير مبني على سياق علمي منضبط، فالصحابة كفروا أهل الردة.
وقد قال الله تعالى: {ولا تصل على أحد منهم مات أبدا ولا تقم على قبره إنهم كفروا بالله ورسوله وماتوا وهم فاسقون}[التوبة].
وأهل الردة كانوا يشهدون الشهادتين، وهذا المنافق الذي نزلت فيه هذه الآية كان يشهد الشهادتين، ويظهر الإسلام نفاقا، وصدرت منه كلمات أنبأت عما في صدره من الكفر.
قال البخاري في صحيحه: " 7113 - حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا شعبة، عن واصل الأحدب، عن أبي وائل، عن حذيفة بن اليمان، قال: «إن المنافقين اليوم شر منهم على عهد النبي صلى الله عليه وسلم، كانوا يومئذ يسرون واليوم يجهرون»".
أقول: وهذا الرجل الذي هلك وقع منه ما هو أعظم مما وقع من هذا المنافق من الكلمات السوء، فرجل يقول أن الله عز وجل تعبير أدبي أكثر من كونه وصفا لواقع
هذا الشخص عبد الله بن أبي ابن سلول أعظم منه إيمانا (وما فيهما مؤمن إيمانا صحيحا) وأقرب للرسالة.
وأيضا الترحم والاستغفار ليس بابا للمجاملات المجتمعية بل هو حكم شرعي وشهادة شرعية (ستكتب شهادتهم ويسألون).
فالمترحم ليس بأرحم من تارك الترحم بل هو أتبع منه، فهذا أبو طالب عم النبي صلى الله عليه وسلم كان له من البلاء في الذب عن النبي صلى الله عليه وسلم الشيء العظيم ومع ذلك ما استغفر له أحد لأنه مات كافرا.
الأمر ليس بأذواقنا ولا أمانينا الأمر شرع يلتزم، والرحمة بالخلق أن نظهر الشدة مع أعداء الدين حتى لا يستهون الناس سلوك طريقهم.
وأما أن تزيد على الترحم الثناء على التراث فهذا أمر لا تخريج له أبدا، بل غش للمسلمين.
النقطة الثانية: لا داعي لاستدعاء الحديث عن (الفرق بين الإطلاق والتعيين) أو قيام الحجة عند الكلام على من ظهر كفره وتكلم بكلام عظيم عند جميع الطوائف.
ثم هذا يظهر أن الكلام على (قيام الحجة) مجرد مسلك عاطفي، فأي حجة لم تقم على إنسان تكلم بالكفر وبقي الناس ينكرون عليه عشرات السنين وهو لا يرجع ولا يرتدع!
الواقع أن الناس اليوم عندهم مبالغة في إحسان الظن بالبشر وسوء ظن بالبينات الشرعية، فيظنون الدين خفيا دائما والناس يريدون الحق دائما، ولكن ضلالهم ليس من جهة العناد أو الكفر أو التفريط في طلب الحق وإنما من جهة غموض الحق!
فنعقل أن أبا طالب سيدخل النار ولا نعقل أن رجلا حارب الثوابت طوال حياته ونذر نفسه لذلك يجوز عليه أن يموت كافرا.
والحديث عن إمكانية توبته لا معنى له، فالأصل بقاء ما كان على ما كان، ولو كان تاب فهذا لا يمنع من التحذير من تراثه وإظهار الامتعاض منه رحمة به وبمن يسير على مسلكه.
=