=
=
المثال السابع: قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم إلى الله مرجعكم جميعا فينبئكم بما كنتم تعملون . يا أيها الذين آمنوا شهادة بينكم إذا حضر أحدكم الموت حين الوصية اثنان ذوا عدل منكم أو آخران من غيركم إن أنتم ضربتم في الأرض فأصابتكم مصيبة الموت تحبسونهما من بعد الصلاة فيقسمان بالله إن ارتبتم لا نشتري به ثمنا ولو كان ذا قربى ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين}.
قوله {أو آخران من غيركم} عندنا رواية في مذهب أحمد أنهم من أهل الكتاب، وهنا تُقبل شهادة الكتابي مع أنه كافر وتحقق منفعة معينة لأهل الإيمان في باب قائم على مراعاة الصدق.
ولتتمة الفائدة أقول: الرأي شيء والرواية شيء آخر، فرواية الحديث يُشترط فيها، فيمكن أن يستدل رافضي على نصراني باستدلال صحيح أو يذكر حكمة تشريعية، وكذلك يمكن أن يُلزم نصراني يهوديًّا إلزامًا قويًّا، وأما أمر الرواية فنحن نشدد فيها لأنها مبنية على الصدق والعدالة لا الذكاء والاستنباط، وقد يكون المرء مأمونًا في اللغة أو القرآن ولا يكون مأمونًا في الحديث.
وكان أهل الحديث يجتنبون توقير أهل البدع، ولهم في ذلك تفاصيل دقيقة، فيفرقون بين الداعية وغير الداعية، وبين صاحب البدعة المكفرة وغير المكفرة وبحسب حال المخالف، وغيرها من التفصيلات التي تفسِّر لك ممارساتهم.
قال ابن تيمية كما في الفتاوى الكبرى (٦/ ١٤٤) وهو يتكلم عن ذم الحيل ولماذا أصحاب الحيل شر من أهل البدع:
"فإن فتوى من مفتٍ في الحلال والحرام برأي يخالف السنة أضر عليهم من أهل الأهواء، وقد ذكر هذا المعنى الإمام أحمد وغيره، فإن مذاهب أهل الأهواء قد اشتهرت الأحاديث التي تردها واستفاضت، وأهل الأهواء مقموعون في الأمر الغالب عند الخاصة والعامة، بخلاف الفتيا فإن أدلتها من السنة قد لا يعرفها إلا الأفراد ولا يميز ضعيفها في الغالب إلا الخاصة، وقد ينتصب للفتيا والقضاء ممن يخالفها كثير.
وقد جاء مثل معناه محفوظا من حديث المجالد عن الشعبي عن مسروق عن عبد الله بن مسعود أنه قال: «ليس عام إلا الذي بعده شر منه، لا أقول عام أمطر من عام ولا عام أخصب من عام ولا أمير خير من أمير ولكن ذهاب خياركم وعلمائكم ثم يحدث قوم يقيسون الأمور برأيهم فينهدم الإسلام وينثلم»، وهذا الذي في حديث ابن مسعود وهو بعينه الذي في حديث النبي -صلى الله عليه وسلم- حيث قال: «ولكن ينتزعه منهم مع قبض العلماء بعلمهم فيبقى ناس جهال يستفتون فيفتون برأيهم فيضلون ويضلون»".
وكلام الشيخ هذا يشرح لماذا خرَّجوا في الكتب للمرجئة والخوارج والشيعة ولم يخرِّجوا لأهل الرأي.
وبناء على كل ما سبق، تلك الحجة الجديدة في سرد أسماء بعض المشاهير كلما تحدَّث الناس عن كلام لأعيان السلف في بعض الضلالات الكبرى حجة ينبغي أن تسقط من باب البحث العلمي الرصين، خصوصًا وأن كثيرًا من جهود هؤلاء المشاهير جاءت من باب انتسابهم لبعض مذاهب أهل الحديث أو الرأي الفقهية، لا من جهة انتسابهم الكلامي، وهذا يجعل الحجة قائمة عليهم بشكل أكبر إذ خالفوا أئمتهم في الاعتقاد مع عظيم انتفاعهم بهم، بل ما برُّوا بهم إذ خلطوا صحيح علومهم بمشكلات أهل الكلام.