كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

محاولة لترشيد النظر في مسائل الأسماء والأحكام

المصدر
محاولة لترشيد النظر في مسائل الأسماء والأحكام مسائل الأسماء والأحكام هي المسائل الأكثر إثارة للجدل بين طلبة العلم ، والمشكلة أنها أبحاث يقترن بها زخم عاطفي ونتائج مسبقة تجعل النقاش والتفاهم في الأمر عسيرين جداً ، وهناك مشكلة أكبر وهي أن هذه الأبحاث دقيقة ومتسلسلة وفي العادة يأتيك الشاب ليحاورك في فرع لم يحكم مقدماته ، ومع الأسف الكثير من المنتجين في الساحة العلمية أبحاثهم لا تخلو من سطحية وعدم وجود تراتبية واضحة وتشعر أن البحث قد وضعت نتيجته قبل أن يكتب وهنا محاولة لتقريب المسائل أو لوجود منهج مقترح لفهم الخلاف الدائر وإدراك واقعه دون غلو أو جفاء مسائل الأسماء والأحكام سميت بهذا الاسم لأنها تتناول أسماء المعينين كقولك ( عدل ) ( فاسق ) ( مبتدع ) ( كافر )والأحكام عليهم مثل مستحق للعقوبة في النار مستحق للخلود في النار ( مستحق لدخول الجنة ) ( تحت المشيئة ) وفي سياق البحث في الفرق تصير الأسماء تعني ( مرجيء ) ( قدري ) ( جهمي ) والأحكام تعني ( مبتدع ) ( كافر ) في سياق الحكم على فرقة معينة أو شخص معين يكون الحكم على مراتب المرتبة الأولى : الإلحاق الاسمي بمعنى أنه يلحق بفرقة مكفرة إلحاقاً اسمياً وهذا الإلحاق لا يقتضي ضرورة الإلحاق في الحكم وهذا مثاله الخلاف المشهور بين الفقهاء في حكم الطائفة الممتنعة التي ألحقت اسماً بالمرتدين ولكن الخلاف في الحكم صار محل نزاع وكلام الشافعي في الأم معروف في هذا السياق ، ومن أمثلة ذلك ما ذكره ابن تيمية في الصارم المسلول من تسمية بعض الناس بالروافض لقدحهم في بعض الصحابة ولكنهم لا يأخذون حكم الرافضة القادحين في عموم الصحابة قال ابن تيمية _ رحمه الله _ في الصارم المسلول :" وأما من سبهم سبا لا يقدح في عدالتهم ولا في دينهم مثل وصف بعضهم بالبخل أو الجبن أو قلة العلم أو عدم الزهد ونحو ذلك فهذا هو الذي يستحق التأديب والتعزير ولا نحكم بكفره بمجرد ذلك وعلى هذا يحمل كلام من لم يكفرهم من أهل العلم" وبعض هؤلاء كان يطلق عليه كلمة رافضي من باب التغليب وإليه يشير بصراحة كلام حرب الكرماني في عقيدته ومن أمثلة ذلك أيضاً إلحاق المعتزلة والأشعرية بالجهمية اسماً أو حتى الواقفة واللفظية ثم بعد ذلك يأتي النقاش هل يلحق بالجهمية حكماً أم لا ؟ المرتبة الثانية : الإلحاق الحكمي وهذا فرع عن الإلحاق بالاسم ولا يحصل النقاش فيه إلا بعد ثبوت الإلحاق الاسمي وهذا في مثال المعتزلة الذين سموا جهمية فالمعتزلة أقدم من الجهمية ولما ظهر التجهم دخل عامة المعتزلة في التجهم وصار كثير من الناس يسمونهم جهمية وربما وقع من البعض تسمية الجهمية معتزلة مع ما بينهما من نزاع غير أن مقالتهم في الصفات توحدت أو تقاربت معلوم أن الجهمية فرقة تكلم عامة السلف في تكفيرها ولكن هل ينطبق هذا على المعتزلة الذين وافقوهم على بعض أصولهم الكفار قال ابن تيمية كما في الفتاوى الكبرى : قال الإمام الحافظ أبو القاسم اللالكائي: وقد ذكر أقوال السلف والأئمة بأن القرآن كلام الله غير مخلوق، وما ورد عنهم من تكفير من يقول ذلك. ثم قال: فهؤلاء خمسمائة وخمسون نفسا وأكثر من التابعين وأتباع التابعين والأئمة المرضيين سوى الصحابة الخبيرين على اختلاف الأعصار ومضي السنين والأعوام وفيهم نحو من مائة إمام ممن أخذ الناس بقولهم وتدينوا بمذاهبهم، قال: ولو اشتغلت بنقل قول المحدثين لبلغت أسماؤهم ألوفا كثيرة، لكن اختصرت فنقلت عن هؤلاء عصرا بعد عصر، لا ينكر عليهم منكر" هذه المقالة اتفق عليها الجهمية والمعتزلة وقد جعلت مناط التكفير ففهم من هذا أن الإلحاق الاسمي كان يراد منه الإلحاق الحكمي أيضاً ( وهذا لو أنصفنا نجده منطبقاً على الأشعرية أيضاً ) قال ابن القيم في مختصر الصواعق المرسلة :" فتأمل هذه الأخوة التي بين هؤلاء وبين هؤلاء المعتزلة الذين اتفق السلف علي تكفيرهم، وأنهم زادوا على المعتزلة في التعطيل فالمعتزلة قالوا: هذا الكلام العربي وهو القرآن حقيقة لا عبارة عنه، وهو كلام اللّه، وإنه مخلوق" فابن القيم فهم أن الإلحاق في الاسم والحكم المرتبة الثالثة : بعد الإلحاق في الاسم والحكم ينظر هل هو إلحاق كلي أم إلحاق جزئي فعند حصول التكفير لأي فرقة فإنه ينظر هل هذا التكفير يشملهم جميعاً أم يشمل الدعاة منهم دون غير الدعاة أم يشمل من قامت عليه الحجة دون من لم تقم عليه الحجة وقبل هذا كله هل يجوز أن يستخدم في حقهم التكفير العام حتى وإن فصلنا فيهم من باب الوعيد العام ما هي قصة ( الوعيد المطلق ) أو ( الوعي. العام ) ؟ نجد في النصوص ( من فعل كذا فهو في النار ) وهذا يحمل على الأغلب أو من توفرت فيه الشروط وانتفت عنه الموانع فالنص العام ( إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) والإيمان بوجود حالات مستثناة لا ينفي الإيمان بالأصل أن هناك من سيعاقب بسبب هذا الذنب وأن هذا هو الأصل قال ابن تيمية كما في الفتاوى الكبرى :" وكذلك " التكفير المطلق " " والوعيد المطلق ". ولهذا كان الوعيد المطلق في الكتاب والسنة مشروطا بثبوت شروط وانتفاء موانع. فلا يلحق التائب من الذنب باتفاق المسلمين، ولا يلحق من له حسنات تمحو سيئاته، ولا يلحق المشفوع له، والمغفور له؛ فإن الذنوب تزول عقوبتها التي هي جهنم بأسباب التوبة والحسنات المادية" فجعل التكفير المطلق من قبيل الوعيد المطلق فإن قيل كيف هذا ؟ فيقال : في بعض البدع المكفرة مثل بدعة الواقفة مثلاً فقد ورد في عقيدة الرازيين ( من وقف في القرآن جاهلاً علم وبدع ولم يكفر ) يعذر الجاهل وهذا لا ينفي النصوص الأخرى في أنهم جهمية ومكفرون بل وشر من الجهمية فيمن فهم حقيقة مقالتهم فاستثناء الجاهل لا ينفي الحكم الأصل على المقالة وعلى المتلبس بها ولهذا تجد ابن تيمية ينقل مراراً كلام السلف في أن الجهمية كفار وقول البخاري إنني لأستجهل من لا يكفرهم ثم هو نفسه يعذر بعض جهالهم ، وتجد عدداً من الحنابلة من قبله يفرقون بين الداعية وغير الداعية من الجهمية فيكفرون الداعية ثم تجدهم ينقلون الخلاف في تكفير من لم يكفر الجهمية إذ من لا يكفر الجهمية عندهم هو من لا يعتبر مقالتهم مكفرة أصلاً وهذه النقطة هي باب خلط كبير عند كثير من المعاصرين فيجعلون الخلاف الفرعي في المرتبة الثالثة حاكماً على المرتبتين الأوليين بمعنى أن العلماء الذين اختلفوا في كون البدعة المكفرة الفلانية التي ألحق أهلها بفرقة مكفرة اسماً وحكماً هل يكفرون جميعاً أم تكفر فئة منهم فقط يجعلون هذا الخلاف وكأنهم نفوا أصل التكفير وأصل الإلحاق فيجعلون من يفرق بين قامت عليه الحجة ومن لم تقم عليه حكم بإسلام الجميع مطلقاً وجعل حالهم كمثل حال أصحاب البدع المفسقة بل رفض حتى الإلحاق الاسمي المتفق عليه وبني على هذا الخلط التهويل الشديد في شأن هذا الخلاف الفرعي وهذا هو الله الغلو الذي يزعمون محاربته ، وقابلهم آخرون نزلوا على من يعذر كلام السلف فيمن لم يكفر مطلقاً والفريقان قد اتفقا على هذا الأصل الفاسد وهو جعل هذا الخلاف الفرعي حاكماً على الأصل مع أن ثبوته فرع عن ثبوت الأصل والاتفاق عليه وكلا الفريقين غالط فيما يؤصل ويصنع وبينهما جدل طويل استغرق أوقات الكثير من طلبة العلم ولا يخلو الأمر من هوى ونتائج مسبقة فمثلاً لو كنا متفقين على وجوب صلاة الجماعة ثم اختلفنا في عذر المريض مرضاً معيناً في تركها فذهبت أنا للعذر وذهبت أنت لعدم العذر هل يجوز أن يأتي إنسان ويجعل مقالتي في عذر المريض بمنزلة القول بعدم وجوب صلاة الجماعة مطلقاً ! فشخص أقر بالإلحاق الاسمي وكذلك الإلحاق الحكمي ولكنه نازع في عمومه ، هو أقرب لمن قال بالعموم أم لمن نازع في الإلحاق الاسمي والحكمي ونفى الحكم عموماً وخصوصاً ؟ علماً أن أصل وجود بدعة مكفرة يعذر بعض جهالها ليس محل نزاع وإنما محل النزاع في بعض الفرق التي اجتمعت فيها العديد من البدع المكفرة والتي بعضها وصف بأنه مخالفة في أظهر مسائل الشريعة فكذلك يوجد فرق وقعت في بدع مكفرة وكفروا جميعًا بلا خلاف كالإسماعيلية والقائلين بقدم العالم وحين خاطبت بعض الشباب الذين يخلطون بين ( من لم يكفر ) و ( من يعذر بعد أن كفر مطلقاً ) وجدته يقول لي ( ما الفائدة من التكفير إذا كان الجاهل معذوراً ) فقلت له : ( سبحان الله وهل كل الناس جهال أم الجهل وصف يجوز زواله أصالة ، وكأنك تقول ما الفائدة من الوعيد للفساق بالنار إذا كانوا تحت المشيئة علماً أن المسألة التي نتحاور فيها أنا نفسي لا أعذر فيها بالجهل أو لا أعترف بإمكانية وجود جهل مؤثر دون إعراض في عين هذه المسألة ) ولكنني أحاول أن أقرب لهذا الشاب وجهة نظر خصومه مع أن سوء فهمه لعموم المذهب ساهم به الخصوم أنفسهم الذين نجد في عدد منهم الخلط بين التفريق بين الإطلاق والتعيين وعدم التكفير مطلقاً كمن يخلط بين عذر المريض وعدم إيجاب صلاة الجماعة حتى على الصحيح بل بعض الأبحاث خلاصتها الاستدلال على صحة إسلام الواقع بالناقض بنفس إسلامه ! فإذا جوبه بأن بعض المنتسبين للملة الواقعين بالمكفرات مكفراتهم من النوع الظاهر المخالف للنصوص بشكل قطعي بل ومخالف للفطرة والعقل وأن ذلك ليس من جنس المكفرات الخفية بل هي من جنس كفر الكفار الأصليين تجده يجيب بالتفريق بين المنتسب للملة وغير المنتسب للملة وكأن هناك علاقة طردية بين الإسلام والجهل والواقع أن العلاقة بين الإسلام والجهل عكسية لهذا تجدهم يقولون في بعض المكفرات يعذر فيها من نشأ ببادية بعيدة أو كان حديث عهد بإسلام فهو معذور فخلاصة جوابهم أن فلاناً مسلم لأنه يدعي الإسلام ! وهذا الدور بنيت عليه دراسات علمية ! ، وقد قابلهم فريق غلا فلم يعتبر الانتساب للإسلام حتى في حق مجهول الحال فصاروا يقولون الأصل في الناس الكفر ولم يعتبروا الانتساب للإسلام ولا حتى إظهار الشعائر بسبب مجرد احتمال أن يكون وقع في ناقض ! ، وهذان طرفي نقيض فالانتساب لملة الإسلام معتبر إذا لم يظهر من الإنسان أي ناقض ، فإذا وقع في ناقض بحث في كونه من الخفيات أو الجليات بغض النظر عن انتسابه للإسلام غير أن الفريق الغالي لما فتح عينه على مناقشة الجافي وكانت حواراتهم بعيدة عن الاحتكام للأثر بل هي جدل محض التزموا قواعد غريبة وأقوالاً ظاهرة البطلان فالعلماء يعتبرون الشعائر في إثبات إسلام اليهودي أو النصراني في دار الكفر اتفاقاً فضلاً عن الانتساب الصريح للإسلام من إنسان لم تعرف عنه ملة غير الإسلام وأما بالنسبة للفريق الآخر فهم أنفسهم لا يطردون أصل اعتبار الانتساب للملة في الفلاسفة والقرامطة والباطنية والاسماعيلية والقاديانية فناقضوا أصلهم وعادوا إلى اعتبار الظاهر والخفي الذي هربوا منه وقالوا بنسبيته مطلقاً في ظل كل ما سبق لنأتي لنفهم كلام شيخ الإسلام في المناظرة على الواسطية حيث قال :" فأجبتهم عن الأسئلة بأن قولي اعتقاد الفرقة الناجية هي الفرقة التي وصفها النبي بالنجاة حيث قال: " {تفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة اثنتان وسبعون في النار وواحدة في الجنة وهي من كان على مثل ما أنا عليه اليوم وأصحابي} . فهذا الاعتقاد: هو المأثور عن النبي وأصحابه رضي الله عنهم وهم ومن اتبعهم الفرقة الناجية فإنه قد ثبت عن غير واحد من الصحابة أنه قال: الإيمان يزيد وينقص وكل ما ذكرته في ذلك فإنه مأثور عن الصحابة بالأسانيد الثابتة لفظه ومعناه وإذا خالفهم من بعدهم لما يضر في ذلك. ثم قلت لهم: وليس كل من خالف في شيء من هذا الاعتقاد يجب أن يكون هالكا فإن المنازع قد يكون مجتهدا مخطئا يغفر الله خطأه وقد لا يكون بلغه في ذلك من العلم ما تقوم به عليه الحجة وقد يكون له من الحسنات ما يمحو الله به سيئاته، وإذا كانت ألفاظ الوعيد المتناولة له لا يجب أن يدخل فيها المتأول والقانت وذو الحسنات الماحية والمغفور له وغير ذلك" وجدت من ينزل هذا الكلام على المعتزلة والأشعرية ولا أدري لماذا لم يذكر معهم الجهمية والمشبهة فهم جميعاً مخالفون لما في العقيدة الواسطية ومع أن سياق الكلام واضح حتى أنه أشار إلى بدعة المرجئة غير المكفرة في الكلام وأشار إلى الاثنتين وسبعين فرقة ومذهب الشيخ فيهم أنهم جميعاً مسلمون وأن تكفير فرقة ما يعني إخراجها من الاثنتين وسبعين فرقة حيث قال كما في الفتاوى الكبرى :" فإن هؤلاء هم الجهمية الذين اتفق السلف والأئمة على أنهم من شر أهل الأهواء والبدع، حتى أخرجهم كثير من الأئمة عن الاثنين وسبعين فرقة" ولا شك الجهمية مخالفون لما في الواسطية وداخلون في ذمه وهؤلاء الذين أخرجوهم ليسوا غلاة فيمكن أن يحمل كلام الشيخ على أصحاب البدع المفسقة المخالفين للعقيدة فإنه ذكر مخالفة فرق مكفرة عنده بلا نزاع مثل القدرية نفاة العلم وإما أن يحمل على أصله في التفريق بين الإطلاق والتعيين غير أن الشيخ هنا يتكلم عن ( الهلاك ) الوارد في الحديث وهذا يشمل أصحاب البدع المفسقة والمكفرة والكلام ليس عن التكفير والشيخ لا يطرد التلازم بين الحكم الدنيوي والأخروي ولبسط هذا موضع آخر غير أن قوله ( ليس كل ) هل يساوي المذهب السائد في نفي تكفير بعض فروع الجهمية جملة وتفصيلاً واعتبار ذلك غلوًا في كل مراتبه فمعلوم في المنطق الذي يتحدث عنه البعض بكثرة أن نفي الموجبة الكلية لا يعني نفي الموجبة الجزئية فلو قال قائل ( ليس كل المساجين مدانين) فقال شخص ( معظمهم مدان ) أو قال شخص ( بعضهم مدان ) لم يكن بين هذه العبارات أي تناقض ولكن لو جاء شخص واستفاد من هذه العبارة أنه لا يوجد منهم أي أحد مدان وأن الحكم بالإدانة على عامتهم غلو لكان هناك تناقضاً ظاهراً بين العبارتين إذ لو كانت الكلية سالبة لما احتجنا إلى التعبير عنها بنفي الكلية الموجبة فذلك عي فيقال : كلهم بريء ليس مدانًا وينتهي الأمر ولهذا نجد ابن تيمية يرفض أن تكون هناك روايتين عن أحمد في تكفير الجهمية مع أنه يدعي أن الإمام عذر بعض جهالهم لأنه لم ير تناقضاً بين الأمرين والخلاف بين طارد العموم والقائل به بشكل أغلبي خلاف قريب ضخمه المعاصرون بفهمهم الغريب للمسألة وهذا أهم أصول متهمي أئمة الدعوة النجدية بالغلو لأن مسألة العذر مع الإقرار بأن أصل الفعل شرك أكبر بلا نزاع خلاف قريب لأن الجميع متفق على أن الجهل يمكن زواله ولكن الأمر تضخم بسبب أن العذر بالجهل مجرد عنوان يوضع تحته عدم التكفير بالكلية لمن وقع في مكفر فبني على ذلك تسامح مع الواقع في الناقض مع غلو في الموقف من الحاكم عليه بحكم مخالف مع أن حكم التكفير قد يقع ممن يعذر بالجهل أيضاً ولكنه يعتبر قرائن أو أدلة على زوال هذا الجهل وقد تعب الشيخ محمد بن عبد الوهاب كثيراً مع أولئك الذين يخلطون بين عذر بعض الجهال وإلغاء الحكم بالكلية فكان يتنزل معهم ويقول حتى لو عذرناهم بالجهل فهؤلاء الذين تتكلمون عنهم قامت عليهم الحجة ولكن الطرف المقابل كان مصراً ويجعل الأمر سياجاً عاطفياً فلو فهمنا فهم الناقل لقلنا الشيخ جاء لحديث ( كلها في النار ) وهو يصحح الحديث ويقول به ثم قال جمعا بين النصوص أنه ليس كل من توعد في هذا الحديث سيهلك حقًا فقد توجد مكفرات ، والناقل اعتبر الهلاك المذكور مساويًا للتكفير فعلية التكفير المطلق لبعض فروع الجهمية كقولك ( المعتزلة ) هو كقول النبي ( كلها لي النار ) لا يعترض عليه بخروج بعض الأفراد الذين خروجهم في علم الله أصلا في كثير من أحواله ولَك أَن تتخيل أننا نأتي بنصوص في الوعيد المطلق نرهب بها العصاة والظلمة والمبتدعة فكلما ذكرناها قفز أحدهم وقال ولكن هناك استثناءات وكأن الاستثناء سيصير قاعدة فما الذي سيصير في دين الله جراء هذا السلوك ؟ علمًا أَن أمر الاستثناءات يدخل فيه الخوارج الذين قيل فيهم ( كلاب أهل النار ) فكلام الشيخ ينطبق عليهم فكل ما قيل في لفظة ( كلها في النار ) يقال في لفظة ( كلاب أهل النار ) إلى أنني إلى ساعتي هذه ما وجدت من يتحمس لتنزيل كلام الشيخ الخوارج كما نجد حماسًا في تنزيله فروع الجهمية الذين هم شر من الخوارج وأعتذر جداً عن الإطالة ولكن هذه المسائل لا يمكن أن يتكلم فيها إلا بشيء من الإطناب لنفي الغلو والجفاء وأما الاختزال العلمي فليس هذا صنيع الناصحين خصوصاً وأنك إذا وافقت أي فريق بأي جزء تنسب لتلك الطائفة