كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

بداية تزهد السري السقطي (التدين أساس كل خير وليس الإنسانية قبل التدين)

المصدر
بداية تزهد السري السقطي (التدين أساس كل خير وليس الإنسانية قبل التدين) من الأحاديث المحببة إلى نفوس المتدينين حديث (بداية الالتزام) حيث يذكر فيه المرء الحدث الذي جعله يقرر أن يعمل لآخرته بجدٍّ وأن يقوي سببه بالسماء. مررتُ على قصة يمكن أن تسمى بالاصطلاح العصري قصة (التزام السري السقطي) أو بداية تنسكه. السري السقطي زاهد عابد معروف، يُترجَم له في الأولياء والزهاد، وله كلمات وأحوال حسنة كانت محل اقتداء بين الصالحين في الأزمنة المتقدمة، وكان تلميذًا لمعروف الكرخي الزاهد المعروف. قال الخطيب البغدادي في تاريخه: "وأخبرنا ابن رزق، قال: أخبرنا جعفر بن محمد الخواص، قال: حدثني عمر بن عاصم، قال: حدثني أحمد بن خلف، قال: سمعت سريا، يقول: هذا الذي أنا فيه من بركات معروف، انصرفت من صلاة العيد، فرأيت مع معروف صبيا شعثا فقلت: من هذا؟ فقال: رأيت الصبيان يلعبون وهذا واقف منكسر، فسألته: لم لا تلعب؟ فقال أنا يتيم. قال سري: فقلت له: ما ترى أنك تعمل به؟ فقال: لعلي أخلو فأجمع له نوى يشتري به جوزا يفرح به، فقلت له: أعطنيه أغير من حاله، فقال لي: أو تفعل؟ فقلت: نعم، قال لي: خذه أغنى الله قلبك، فسويت الدنيا عندي أقل من كذا". أقول: القصة شرحها أن سريًّا السقطي كان منصرفًا من صلاة العيد فرأى معروفًا الكرخي الزاهد المعروف واقفًا مع صبي لا تظهر عليه فرحة العيد وملابسه مبتذلة فسأل السري معروفًا: من هذا الصبي؟ فأجابه معروف أنه رأى الصبي منكسرًا ولا يلعب مع الصبيان فسأله لماذا أنت هكذا فقال: أنا يتيم (يعني ليس له أب يحضر له ملابس العيد وحلوى العيد). فوقف معه معروف يواسيه ويفكر كيف يُدخل الفرحة إلى قلبه. فسأل السري معروفًا: ما الذي تنوي فعله؟ فذكر أنه سيعمل (يجمع النوى) ويجمع شيئًا من المال ويشتري به جوزًا لهذا الصبي لكي يفرح به، فقال له السري: أعطني هذا الصبي وأنا أغير حاله (يعني أشتري له الملابس والحلوى). فهنا فرح معروف ودعا للسري فقال له: أغنى الله قلبك. فمن ذلك الوقت دخل الزهد إلى قلب السري السقطي ببركة دعاء معروف. موقف معروف والسري من هذا الصبي يسمونه بلغة العصر (إنسانية) ويقول من لا يعي ما يخرج من رأسه (الإنسانية قبل التدين). والحق أن الذي كان من معروف هو بسبب تدينه، ففي الحديث «الراحمون يرحمهم الرحمن ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء»، والمرء كلما تعلق بوحي الرحمن الرحيم العزيز الحكيم كلما نال قلبه من أسباب الرحمة الشيء العظيم. فالذي يسمونه (إنسانية) إن قصدوا به (رقة القلب والعطف والرحمة) فهذه المعاني تستفاد من الدين كأعظم ما يكون، {أرأيت الذي يكذب بالدين • فذلك الذي يدعُّ اليتيم} فمفهومه أن الذي يؤمن بالدين هو من يُعنَى باليتيم إن قوي إيمانه. وقد قال تعالى: {ويطعمون الطعام على حبه مسكينًا ويتيمًا وأسيرًا • إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكورًا • إنا نخاف من ربنا يوما عبوسًا قمطريرًا} [الإنسان] فإن قيل: ألا يوجد مؤمن يدعُّ اليتيم وكافر يعطف عليه؟ فيقال: نعم، ولكن ليس هذا الأصل، والمؤمن إن فعل يعلِّل ذلك بإيمانه، بخلاف الكافر فإنه إن ترك يعلِّل بكفره، وإن فعل لا يمكن أن يعلِّل بكفره، بمعنى أنه لا يمكن أن يقول شخص: أنا لا أدعُّ اليتيم لأنني أؤمن بالله واليوم الآخر، ولكن لو قيل لكافر ألا تخاف الله تدعُّ اليتيم فإنه يقول: أنا لا أؤمن بما تؤمنون به.