=
=
قال ابن القيم في الصواعق المرسلة:
"فالآيات التي ذكرت فيها الملائكة أولى بقبوله، ولذلك تأولها الملاحدة كما تأولوا نصوص المعاد واليوم الآخر، وأبدوا له تأويلات ليست بدون تأويلات الجهمية لنصوص الصفات، وأولت هذه الطائفة عامة نصوص الأخبار الماضية والآتية، وقالوا للمتأولين من الجهمية بيننا وبينكم حاكم العقل فإن القرآن بل الكتب المنزلة مملوءة بذكر الفوقية وعلو الله على عرشه وأنه تكلم ويتكلم وأنه موصوف بالصفات وأن له أفعالًا تقوم به هو بها فاعل وأنه يرى بالأبصار، إلى غير ذلك من نصوص الصفات التي إذا قيس إليها نصوص حشر هذه الأجساد وخراب هذا العالم وإعدامه وإنشاء عالم آخر وجدت نصوص الصفات أضعاف أضعافها، فهذه الآيات والأخبار الدالة على علو الرب تعالى على خلقه وفوقيته واستوائه على عرشه قد قيل إنها تقارب الألف، وقد أجمعت عليها الرسل من أولهم إلى آخرهم، فما الذي سوَّغ لكم تأويلها وحرَّم علينا تأويل نصوص حشر الأجساد وخراب العالم.
فإن قلتم: الرسل أجمعوا على المجيء به فلا يمكن تأويله.
قيل: وقد أجمعوا على أن الله فوق عرشه وأنه متكلم مكلم فاعل حقيقة موصوف بالصفات، فإن منع إجماعهم هناك من التأويل وجب أن يمنع هاهنا.
فإن قلتم: العقل أوجب تأويل نصوص الصفات ولم يوجب تأويل نصوص المعاد. قلنا: هاتوا أدلة العقول التي تأولتم بها الصفات.
ونحضر نحن أدلة العقول التي تأولنا بها المعاد وحشر الأجساد ونوازن بينها ليتبين أيها أقوى.
فإن قلتم: إنكار المعاد تكذيب لما علم من دين الرسل بالضرورة.
قلنا: وإنكار صفات الرب وأنه متكلم آمر ناه فوق سمواته وأن الأمر ينزل من عنده ويصعد إليه تكذيب لما علم أنهم جاءوا به ضرورة.
فإن قلتم: تأويلنا للنصوص التي جاءوا بها لا يستلزم تكذيبهم ورد أخبارهم. قلنا: فمن أين صار تأويلنا للنصوص التي جاءوا بها في المعاد يستلزم تكذيبهم ورد أخبارهم دون تأويلكم إلا لمجرد التحكم والتشهي.
فصاحت القرامطة والملاحدة والباطنية وقالت: ما الذي سوَّغ لكم تأويل الأخبار وحرَّم علينا تأويل الأمر والنهي والتحريم والإيجاب ومورد الجميع من مشكاة واحدة فنحن سلكنا في تأويل الشرائع العملية نظير ما سلكتم في تأويل النصوص الخبرية؟.
قالوا: وأين تقع نصوص الأمر والنهي من نصوص الخبر".
وهذا الذي قاله ابن القيم في المحاكمة بين الفلاسفة المنكرين للمعاد الجسماني مع انتسابهم لملة الإسلام والمتكلمين المتأولين لنصوص الصفات ينطبق تمامًا على المناريين ومَن ناقشهم من الأشاعرة والماتردية، وهذا يبيِّن لك أن التأويل الفلسفي أو الكلامي هو نوع من التكذيب حقًّا أو إنكار دبلوماسي للنصوص كما يقول بعض المعاصرين، ولهذا ليس كل تأويل عذرًا، وهذا يبيِّن لك حذق السلف في شدة إنكارهم على معطلة نصوص الصفات (الجهمية) وكان مسلكهم في ذلك التأويل وهو حقيقته تحريف.
ومسلك تأويل المعجزات يحييه اليوم العديد من العالمانيين والعلمويين.
#عقيدة