باب فيمن اقتدى بمكارم جده في الثبات على الدين.
باب فيمن اقتدى بمكارم جده في الثبات على الدين.
كعب بن مالك الصحابي الجليل من الثلاثة الذين خُلِّفوا له موقف عجيب في الثبات على الدين.
فعند هجر المسلمين له لتخلفه عن تبوك أرسل له ملك غسان رسالة فيها:
أما بعد فإنه قد بلغني أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مَضْيَعة، فالحق بنا نُواسِك.
فقال كعب بن مالك: وهذا أيضًا من البلاء، فتيممت بها التنور فسجرته بها.
أي أنه أحرق الكتاب وآثر الله ورسوله مع هجر الرسول له على كافر يكرمه ويجعله يترك دينه، حتى فتح الله عليه وأنزل قرآنا بذكر توبته.
وفيه عبرة لأناس يعظِّمون الكفار لدنيا عندهم (مع أن الكفار لا يعطونهم شيئًا بالمجان)، وينسون كل نعم الله عليهم ومصيرهم الذي بين يديه سبحانه، ويحاربون الله ورسوله تحت ستار حرب التشدد أو الرجعية.
والذي لا يعرفه كثيرون أن هناك حفيدًا لكعب بن مالك كان شيخًا حنبليًّا وحصل له نحو ما حصل لجده حيث أراد منه الروم أن يكفر بعدما أسروه ورغَّبوه ورهَّبوه ولكنه صمد.
جاء في ذيل طبقات الحنابلة: محمد بن عبد الباقي بن محمد بن عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن الربيع بن ثابت بن وهب بن مشجعة بن الحارث بن عبد الله بن كعب بن مالك -أحد الثلاثة الذين خلفوا، ثم تاب الله عليهم- الأنصاري الكعبي البغدادي البصري البزاز الفرضي، القاضي أَبُو بَكْرِ بن أبي طاهر، ويعرف بقاضي المارستان.
ثم قال ابن رجب: قال ابن السمعاني: عارف بالعلوم متفنن، حسن الكلام، حُلو المنطق، مليح المحاورة. ما رأيت أجمع للفنون منه، نظر في كل علمٍ. وسمعته يقول: تُبت من كل علم تعلمته إلا الحديث وعلمه.
قال: وكان سريع النسخ حسن القراءة للحديث، سمعته يقول: ما ضيَّعت ساعة من عمري في لهو أو لعب.
قال: وسمعته يقول: أسرتني الروم، وبقيت في الأسر سنة ونصفًا، وكان خمسة أشهر الغل في عنقي، والسلاسل على يدي ورجلي. وكانوا يقولون لي: قل: المسيح ابن الله، حتى نفعل ونصنع في حقك، فامتنعتُ وما قلت. قَالَ: ووقت أن حُبست كان ثَمَّ معلم يعلم الصبيان الخط بالرومية، فتعلمت في الحبس الخط الرومي.