كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

ابن تيمية: من زعم أن علم الكلام يحفظ به الدين فكلامه ككلام الرافضة!

المصدر
ابن تيمية: من زعم أن علم الكلام يحفظ به الدين فكلامه ككلام الرافضة! لأبي حامد الغزالي كلام في إحياء علوم الدين عن علم الكلام، سرد فيه ذم السلف لعلم الكلام سرداً عجباً، ثم حاول تخفيف الأمر، وذهب إلى أن علم الكلام إنما ينفع فئة معينة فحسب ممن داخلهم الشك، فينفعهم علم الكلام في إزالة شكوكهم. نقل ابن تيمية هذا الكلام في درء تعارض العقل والنقل، ليقول أن من سوقوا علم الكلام ما سوقوه إلا لكونه يدافع عن الثوابت الشرعية بزعمهم، ولكن الأمر ما دام على هذا صارت الأدلة العقلية المستفادة منه مقدمة على الشرع، وصاروا يردون الشرع ويحرفونه باسم التأويل لأجل هذه العقليات المزعومة، فصار معولاً لهدم الشرع خصوصاً، وأن الملاحدة ما أسعدهم بمن يقول ظاهر النصوص تشبيه أو كفر ولكننا نؤولها، ثم يأتون بتأويلات متكلفة، فيرد عليهم الزنديق تأويلهم المتكلف، ويأخذ اعترافهم المزعوم ويقدح في الشرع. ثم هم يقولون: منهج السلف أسلم ومنهج الخلف أعلم وأحكم. ويعنون بالعلم والحكمة مفرزات علم الكلام! هم ما قالوا الذي قالوه إلا لعلمهم أن السلف ما كانوا يعرفون هذا الهراء. قال ابن تيمية في درء تعارض العقل والنقل ومعلقاً على كلام الغزالي (7/ 179) : "فإن أعداء الملة قد يقيمون شبهة على نقيض ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم، كشبهة الدهرية على قدم السماوات، فيقابلون ذلك بفاسد آخر، كاستدلالهم على حدوث ذلك بدليل الأعراض والصفات. وحفظ مثل هذا الكلام لاعتقاد العوام، كدفع المظلمة عنهم بعقوبات فيها عدوان، ومن ظن أن الخلف أعلم بالحق وأدلته، أو المناظرة فيه من السلف، فهو بمنزلة من زعم أنهم أقوم بالعلم والجهاد وفتح البلاد منهم، وكلا الظنين طريق من لم يعرف حقيقة الدين، ولا حال السلف السابقين. وهذا مثل كلام الرافضة وأمثالهم من أهل الفرية، الذي يتضمن قولهم التكذيب بالحق والتصديق بالباطل، فهؤلاء فيما يحدثون به من الكذب، ويكذبون به من الصدق في المقولات، بمنزلة أهل الكلام الباطل في البحث والنظر، كالجهمية الذين يكذبون بالحق ويصدقون بالباطل في العقليات. ولهذا كان غير واحد من السلف يقرن بين الجهمية والرافضة، وهما شر أهل الأهواء، وكان الكلام المذموم عند السلف أعظم من الشهادة بالزور وظلم الحق." هنا الشيخ يقول أن قولهم أن منهج الخلف أعلم وأحكم، وأن دين العوام إنما يحفظ بعلم الكلام (وعلم الكلام لا يساوي مطلق الاستدلال العقلي كما يظن بعض الجهلة) هو كقولك أن النصوص وكلام السلف لا يكشف الشبهة، وهذا اتهام لهم بالنقص في العلم، كالاتهام لهم بالنقص في أمر الجهاد. وقد صرح الغزالي في إلجام العوام أن النبي ﷺ ما كان يصرح للعامة (من الصحابة) بحقيقة اعتقاد التنزيه لأن ذلك أنسب لهم. وإنني لأستغرب ممن يهون من شأن الخلاف مع هؤلاء، ومنهجهم العقائدي يدل على وعيهم التام بالبلاء الذي يفعلونه. فتراهم يقولون أخبار الآحاد لا تقبل في الاعتقاد، وأخبار الآحاد مضامينها لا تختلف عن مضامين القرآن في مناقضة الشبهات الكلامية، مثل التركيب وحلول الحوادث، فلولا وعيهم بمنافرة الوحي لكلامهم ما تكلفوا هذا. وتراهم يفضلون أنفسهم على السلف بنسبتهم العلم والحكمة لأنفسهم، ويتصدون للرد على الفلاسفة ببدع وضلالات تقوي جانب القوم. فمقالة فيها هذا الحط على الوحي والسلف، والتوهين من أمر الدين مع ما فيها من مناقضة الفطرة والعسورة كيف لا يظن أن أصحابها لا يختلفون عن أهل العلمنة واللبرلة أو أنهم ممهدون لذلك، ومعرفة بعضهم بالوحي حجة له لا عليه. وقد تكلف بعض الناس دعوى أن الوحي قاصر في إقامة البراهين القاطعة على بطلان أقوالهم مع كونه يعتقد بطلانها، كل ذلك تعظيماً لهم، فيزعم أن سفسطتهم بالعقليات وقرمطتهم في النقليات هي شبهات معتبرة، رفعت عنهم المؤاخذة لمدة ألف سنة من الضلال والتخبط وما أقامت عليهم الحجة حتى لما دخلوا في القبورية.