الوعظ بسِير الصالحين في ثنايا الدرس الفقهي!
الوعظ بسِير الصالحين في ثنايا الدرس الفقهي!
مما كان يشاهده العلماء أن كثيرًا من طلبة العلم في غمرة خوضهم في المسائل العلمية ربما غفلوا عن المقصد الأعلى الذي لأجله يتعلمون العلم.
لذا نجد في عامة جوامع الحديث التي تبيِّن الأحكام عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كتبًا في الزهد والرقاق وصفة الجنة وصفة النار ونحوها.
وقد رأيت أبا داود صاحب السنن ما اكتفى بهذا بل كان يقتنص الفرصة بعد إملائه بعض أحاديث الأحكام للتعريف ببعض الصالحين الذين ورد ذكرهم في إسناد الحديث وذِكرِ بعض مناقبهم.
وذكر الصالحين وأحوالهم من عبادات جليلة أو كرامات من أعظم ما تستقيم به القلوب.
قال أبو داود في سننه ٣٢٨١ - حدثنا محمد بن محمد بن خلاد أبو عمر، حدثنا مسدد، عن أمية بن خالد، قال: «لما ولي خالد القسري أضعف الصاع، فصار الصاع ستة عشر رطلا» قال أبو داود: "محمد بن محمد بن خلاد، قتله الزنج صبرا، فقال بيده: هكذا ومد أبو داود: يده وجعل بطون كفيه إلى الأرض، قال: ورأيته في النوم، فقلت: ما فعل الله بك؟ قال: أدخلني الجنة، فقلت: فلم يضرك الوقف".
هنا أبو داود أورد خبرًا في تقدير الصاع في الكفارة، ثم لما كان شيخه في هذا الخبر مذكورًا بالصلاح عرَّف به وذكر قصة قتله على يد الزنج وأنه رأى فيه رؤيا حسنة، وقوله "فلم يضرك الوقف" فسرها بعض الشراح بالوقف بين يدي الزنج ليقتلوه.
وقال أبو داود أيضًا ٣٢٥٤ - حدثنا حميد بن مسعدة السامي، حدثنا حسان يعني ابن إبراهيم، حدثنا إبراهيم يعني الصائغ، عن عطاء، في اللغو في اليمين، قال: قالت عائشة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «هو كلام الرجل في بيته، كلا والله، وبلى والله»، قال أبو داود: "كان إبراهيم الصائغ رجلا صالحا، قتله أبو مسلم بعرندس، قال: وكان إذا رفع المطرقة فسمع النداء سيبها".
أقول: هنا أيضًا أبو داود أورد حديثًا في أحكام اليمين، ثم تفطَّن لوجود رجل صالح مغمور في السند، وهو إبراهيم الصائغ، فحدَّث أبو داود طلبته ببعض أحواله في الصلاح، فذكر أنه كان إذا رفع مطرقته (والمطرقة أداته في الصياغة التي هي عمله) فسمع النداء (يعني الأذان) ترك عمله وذهب للصلاة مطبِّقًا لقوله تعالى: "رجال لا تلهيهم تجارة ولا بيع عن ذكر الله"، أي أنه لا يطرق ولو طرقة واحدة بالمطرقة بعد الأذان، بل يذهب مباشرة للصلاة ليُحصِّل ثواب الصف الأول والتبكير.