قال الشاعر :
قال الشاعر :
تَبَغى ابْنُ كُوز وَالسَّفَاهَةُ كَاسْمِهَا ... لِيَسْتادَ مِنَّا أنْ شَتَوْنَا لَيالِيا
فلاَ تَطْلُبَنْهَا يَا ابْنَ كُوزٍ فَإِنَّهُ ... غَذَا النَّاسُ مُذْ قَامَ النَّبيُّ الْجَوَارِيَا
أقول : معنى هذين البيتين أن ابن كوز أراد أن يتزوج من قوم هذا الشاعر وهو سيّء السمعة أو ليس لهم بكفؤ ولكن حمله على ذلك أنهم قد أصابتهم مجاعة وقحط ( أن شتونا لياليا )
فردوا عليه ذلك وقالوا له : تركنا وأد البنات منذ قام النبي صلى الله عليه وسلم في الناس وآمنوا به وهذا ما أراده الشاعر بقوله ( غذا الناس مذ قام النبي الجواريا ) فإن من أهم أسباب الوأد الفقر أو خشيته ( ولا تقتلوا أولادكم من إملاق ) وترك الوأد يقتضي الإنفاق عليهن ورعايتهن وهذا هو الغذاء المشار إليه بقوله ( غذا الناس )
وقد يكون ابن كوز مظلوما فيما يقول الشاعر غير أن محل الشاهد أنهم تعلموا من الإسلام ألا يستثقلوا من بناتهم ويحملهم ذلك على وأدهن أو تزويجهن لمن يضار بهن وذلك شبيه الوأد في وجدان الشاعر ( ووجدانهم يشطح كثيرا )
أما إن الناس الْيَوْم كثير منهم ما بلغوا هذا المبلغ من المروءة وسلموا بناتهم إلى أماكن لا ترعى فيها عفة حرة ولا كرامتها لا لضرورة ولا حتى حاجة إلا ما توهموه وصون المكرمات من أهم الضرورات وربما تولى عليهن من هو أخبث من الزوج سيّء العشرة إذ ربما يريد من المرأة ما يريده الأزواج دون أن يبذل ما بذلوه
قال النحوي أبو العباس ثعلب في مجالسه : قال أبو حية العكلي: كان رجل يحب بنت عم له، فسافر مع أخيها سفرا له، فلما قدما استقبلهما بعض الحي فقال: زوجت ليلى( ابنة عمه التي يحبها ) . فغشي عليه فرفعه ابن عمه، ورش عليه ماء. فأفاق وهو يقول:
تموت على ليلى خفاتا وما رأت ... لك العين إسوارا لليلى ولا حجلا
ولكن نظرات بعين مريضة ... أولاك اللواتي قد مثلن بنا مثلا.
أقول : خلاصة هذه القصة أنه أحب بنت عّم له وسافر فلما عاد وجدها تزوجت فغشي عليه من الصدمة فلما أفاق أنشد هذه الأبيات تعجبا من نفسه وما بلغ حبها منه مع أنه ما رأى لها زينة وإنما نظر لنا نظرات مقتضبة فعلت به كل هذا
أما إن هذه الحال بعيدة الوقوع الْيَوْم فسر المسألة في قوله ( وما رأت لك العين إسوارا لليلى ولا حجلا )
وأما الْيَوْم ففي أحيان كثيرة بذل ما هو أكثر من ذلك دون قران فرخصت المرأة في عين الرجل إذ كل مبذول مشاع مزهود فيه والمسكين حقا من يضر بنفسه وهو يظن أنه ينفعها