كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

غاية الغايات (رؤية الله)

المصدر
غاية الغايات (رؤية الله) قال الثعلبي في تفسيره: وسمعت أبا القاسم الحسن بن محمد يقول: سمعت أبا علي الحسن بن أحمد [الشبوي] بها يقول: سمعت أبا نعيم عبد الملك بن محمد بن عدي يقول: سمعت الربيع بن سليمان يقول: كنت ذات يوم عند الشافعي رضي الله عنه وجاءه كتاب من الصعيد يسألونه عن قول الله سبحانه: "كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ" فكتب فيه: "لمَّا حجَب قومًا بالسخط دلَّ على أن قومًا يرونه بالرضا"، فقلت له: أوتدين بهذا يا سيدي؟ فقال: "والله لو لم يوقن محمد بن إدريس أن يرى ربَّه في المعاد لما عبَدَه في الدنيا". ورواه البيهقي في المناقب والواحدي في تفسيره وغيرهم. قال أبو طاهر السلفي: حدَّثنا عمر بن أحمد بن عثمان، حدَّثنا محمد بن الحسن الموصلي، حدَّثنا عبد الله بن محمود، حدَّثنا عبد الكريم بن عبد الله السكري، حدثنا علي بن المديني قال: سألت عبد الله بن المبارك عن قوله عزَّ وجل: "فَمَن كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا" فقال عبد الله: "من أراد النظر إلى وجه خالقه فليعمل عملًا صالحًا ولا يخبِر به أحدًا" [جزء حديثي بانتخابه نُشر ضمن مجموعة أجزاء] ورواه اللالكائي في شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة. قال أبو حيان التوحيدي في البصائر والذخائر: ولقد رأيت شيخًا من أبناء ستين سنة وهو يقول: "ما ناظرتُ قط في إثبات الرؤية من ينفيها إلا انقطعْت، ولا أتيتُ بحجة إلا زوحِمْت، ولا عوَّلتُ على أصل إلا نوزعْت، وما أمَدي في ذلك إلا هواي في أني أحب إثبات الرؤية، وأستوحش مِن نفيِها، فأنا أتَّبع ما يَقوَى في نفسي، لأن الله عز وجل قاذف تلك المحبة في نفسي، ومتولِّيها دوني، ولو كان العمل على بيان الخصم واحتجاج النظير وشواهد المناظر، لقد كنت تحوَّلتُ في ألف مقالة، فإني لا أسمع خطبة مقالة، ولا ألحظ ظاهر نحلة، إلا وأرى له من البهاء والحلاوة والحسن والشارة ما لا أجد لغيره، فإن ذهبت إلى تكافؤ الأدلة قهرت العقل، وفارقت المحجة، وإن ملت إلى تخليص الحجة من عوارض الشبهة رمت كؤودًا، ورهقت صعودًا، لكني مع ما أُلقي في روعي لأني واثق به، وذلك أني لم أجلبه ولم أكسبه، وإنما هو شيء سِيق إلي سوقًا، وشُوِّقت إليه شوقًا، ولأن أكون مع هذه الدواعي أحب إلي من أن أطيل المنازعة وأكثر البحث، فإن آفة المنازعة ثوران الطباع وهيج النفس وعصبية الهوى، وآفة البحث التردد بين الاستيحاش والتحيُّر على غير يقين يمسك الفؤاد، ولا عمل يزود إلى المعاد". أقول: هذا الرجل يبدو من أهل الكلام، وهم دائمًا هكذا لا يصِلون إلى يقين من خلال منازعاتهم التي لا تستضيء بالنصوص. والقول بتكافؤ الأدلة باطل ضرورةً، لأن معناه أنه لا يوجد صواب ولا خطأ؛ وبذلك يصِير استدلال الناس كله هباءً، ولا فائدة من البيِّنات عقلية ونقلية أصلًا، وهذا القول نفسه محتاجٌ إلى أدلة فهو متناقض في نفسه، وإن كان ينتشر اليَوْم بين الناس باسم الحداثة والتعدُّديَّة. وأمَّا النصوص فقد جعله أهل الكلام يخجل من الاستضاءة بها مع أنها تتضمَّن بيِّنات عقلية، فبقيَ عنده الفطرة فصار يُعوِّل عليها، ولو تدبَّر لوجدها في ظواهر النصوص والبيِّنات العقلية السليمة. وأريدك أن تتأمَّل فيما حكاه من الشوق الشديد وتحرُّك النفس عند ذكر رؤية الله.