مقام الصديقية لماذا لا يطلب؟
مقام الصديقية لماذا لا يطلب؟
قال تعالى : (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا)
في حجتي هذه سألني أحد طلبة العلم سؤالا هزني فقال : كيف تنال رتبة الصديقية ؟
أجبته بما حضر ثم بعد ذلك صرت أتأمل لماذا رتبة الصديقية لا يسأل عنها كثيرون فنحن نجد من يتمنى الشهادة غير أن ظاهر الآية أن الصديقية أعلى وقد كان أبو بكر الصديق أفضل الصحابة مطلقا
أحسب أن خوفنا من الخوض في مقام الصديقية له ما يبرره من أحوالنا الظاهرة والباطنة
كانت خلاصة الجواب الذي أجبت به الأخ ما لخصه هو بقوله : الصديقية تعرف من سيرة أبي بكر الصديق العملية .
ولنأخذ بعض ما أريد الإشارة إليه
لما قالوا للصديق أن صاحبك يزعم أنه ذهب إلى بيت المقدس وعاد فقال إن كان قالها فقد صدق أما إنني أصدقه بما هو أعظم من ذلك خبر السماء .
هنا موطن الشاهد المهيب ( إن كان قالها فقد صدق )
تصديق غير مشروط بإجازة العقل الأرسطي أو منظمات حقوق الإنسان أو المادية أو أي شيء
أكثر من أخاف عليهم في هذا المقام فريقان يعملان للإسلام
الأول : المشتغلون بالرد على الشبهات إذ تجد كثيرا منهم يضع في نفسه أنه سيضعف الخبر لمجرد أن المعترض عارضه بعقله المريض أو أنه سيميل إلى الحكم الأقرب لهوى المعترض ويتمنى على الله أن يجد فقيها يوافقه فأين ذهبت ( إن كان قالها فقد صدق ) تلاشت في سبيل إرضاء المتعنتين
نعم هناك افتراءات محضة الدين بخلافها ولكن لكي تسلم تعلم دينك أولا وافهمه ثم بعد ذلك أجب على الشبهات حتى لا يكون في صدرك حرج من أمر ثابت في الدين أو له نظائر وحقيقة
العديد ممن يردون على الشبهات يشاركون طارحيها بالمقدمات الإنسانوية لذا يتسلط عليهم أهل الشبهات
نعم إلزام الخصوم الذين ينكرون المتواترات بألا يقبلوا الضعيف بل ولا الصحيح من باب المحاججة أمر لا مشكلة فيه غير أن الإشكال في التعنت وإخضاع البحث لهوى المعترض وتحامله وتعنته
الفريق الثاني : المشتغلون بعلم الحديث وهؤلاء فيهم فئة يكون لهم طرف براعة في علم العلل فيصير المرء منهم متسلطا على كل حديث له معه ( علة نفسية ). بمعنى أنه لا يعجبه فيتطلب له دقائق العلل ويغفل شواهد الشريعة ككل ، فهناك فرق بين تضعيف الإسناد واستنكار المتن بل استنكار المتن على مراتب فقد تكون نسبة المتن إلى رسول الله منكرة ( لأنه كلام غيره ) ولكنه المعنى سليم تعضده شواهد الشريعة ، وهناك فرق بين الأحاديث المنكرة والباطلة وبين أحاديث متداولة في مشاهير مصنفات الأئمة النقاد منسوبة إلى رسول الله ولا يستنكرها أحد من العالمين حتى يأتي زماننا هذا فينبري بعض الناس لا لبيان ضعفها فحسب بل لبيان بطلانها ووضعها بتكلف عجيب وقد كان الأئمة قديما حريصين أشد الحرص على نفي الكذب عن سنة رسول الله نعم قد توجد أحاديث باطلة ما نبهوا عليها إما لوضوحها فقد انفرد بها وضاع مشهور وإما لأنها وضعت بعد وفاة عامتهم فتجدها في كتب الغرائب والأجزاء والتواريخ وهنا لا أتحدث عن هذا الضرب
ففي كل حال جواب الشبهة أو البحث الحديثي ضع دائما ( إن كان قالها فقد صدق ). بين عينيك فقل ( إن كان الحكم الشرعي الفلاني صحيحا فلا إشكال فيه بناء على كذا وكذا وإن صح الحديث الفلاني فلا مشكلة وتوجيهه والجمع بينه وبين ما يفترض فيه التعارض كذا وكذا )إلا أن تخرج إلى ضرب من التكلف وفِي الغالب تجد الأوائل قد كفوك المؤنة أو أعطوك إشارات
وأبعد الناس عن التربية على ( الصديقية ) أولئك الذين يوصلون للعامة أن الفعل الفلاني المكروه لو كان حراما ( والقول بحرمته قول قوي ومشهور بل ربما يكون الحق ) فأنتم في عنت من دينكم وأن الفعل الفلاني المستحب لو كان واجبا ( والقول بوجوبه قوي معروف ) فأنتم في عنت من دينكم
عن رافع بن خديج قال: دخل علي خالي يوما فقال: نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم اليوم عن أمر كان لكم نافعا، وطواعية الله ورسوله أنفع لنا وأنفع لكم . رواه مسلم بسياق أطول
( وطواعية الله ورسوله أنفع لنا ).
وتأمل موقف في الحديبية ( إنه رسول الله ولن يضيعه ) وقارنه بالمشاريع الإصلاحية الْيَوْم التي تفرض نفسها على النصوص الشرعية وتطالب بإقصاء قدر منها بحجة أنها تخالف المصلحة (. يعني أنها مضيعة والله المستعان )
الله يعلم وأنتم لا تعلمون
وبيده سبحانه مقاليد كل شيء لو سلمتم له حق التسليم يجري الأمور على ما تريدون ولكنكم أبيتم إلا الاتكال على أنفسكم ولا حول ولا قوة إلا بالله.