قال أحد الباحثين جزاه الله خيرا : 5- فعل العبد مخلوقٌ لله، لا لأن الله قصد إلى ا
قال أحد الباحثين جزاه الله خيرا : 5- فعل العبد مخلوقٌ لله، لا لأن الله قصد إلى العبد فاتخذه محلًا وخلق فيه الفعل هكذا! ولا لأنه قصد إلى قدرة العبد وإرادته فخلق بهما الفعل ورجَّحَ بهما واستخرج أثرهما بلا مدخلية للعبد، فكأنهما فيه آلتان لا تنتجان وتنتظران من يستعملهما! فهذا خلق مباشر أيضًا وليس هو الخلق بالأسباب الذي يتكلم عنه الشيخ، بل يقول: فعل العبد مخلوقٌ لله لأنه ناتجٌ عن مخلوقاته، ناتج عن السببين السابقين اللذين خلقهما فيه وجعلهما فاعلين مرجحين دون تدخلٍ منه سبحانه مع كل ترجيحٍ معين، فكان ما نتجَ عنهما من اختيارات وأفعال جزئية= مخلوقًا لله، لأنه خالق أسبابها التي هي شرط وجودها، لا لأنه خالقها مباشرة سواء بخلقه الفعل في العبد مباشرةً دون توسطها أو بخلقه الفعل في العبد مباشرةً بتوسطها، كلاهما ليس قولًا للشيخ، لا يقول الشيخ أن كل إرادة معينة خلقت مباشرةً سواء كان هذا الخلق المباشر بلا توسط أو بتوسط السببين السابقين، ويقرر هذا تلميذه ابن القيم بعبارة واضحة فيقول: "لا تفتقر كل إرادة من العبد إلى مشيئة خاصة من الله توجب حدوثها، بل يكفي في ذلك المشيئة العامة لجعله مريدا، فإن الإرادة هي حركة النفس والله سبحانه شاء أن تكون متحركة وأما أن تكون كل حركة تستدعي مشيئة مفردة فلا"
أقول : هذا التقرير معناه والله أعلم أن أفعال العباد مخلوقة لله لأنها متولدة عن سبب خلقه الله وهو الإرادة أو المشيئة
كما أننا مخلوقات لله لأننا متولدون عن آدم الذي خلقه الله ونحن من جنسه وتولدنا عنه بناء على على قوانين خلقها ولو شاء عطلها وإن جعلها أكثر ثمرة من طبيعتها كما أن أفعال العباد متولدة عّن مشيئة خلقها ابتداء وندور في خياراتها المحصورة وإن شاء الله عز وجل عطل السبب عن العمل وهذا ما نسميه الخذلان أو الطبع وإن شاء جعله أكثر إثمارا من قدرته الأصلية وهذا ما نسميه التوفيق
وخالف الجبرية في ذلك فقالوا الله عز وجل يخلق كل فعل خلقا مباشرا بدون توسط إرادة مخلوق لهذا هو الفاعل حقيقة ولهذا يقولون الإرادة تقارن الفعل يعني لا يعترفون بوجودها قبل الفعل وينفون لذلك تأثير الأسباب إلا فعل الله
وأما المعتزلة فيرون أن الإرادة من العبد وأن العبد يدخل الدنيا ورقة بيضاء وبعضهم يجعل الإرادة أمرا مجازيا لا حقيقيا وجوديا وبالتالي العباد هم من يخلقون أفعالهم ( وحين يقولون الله أقدر العبد فهم يعنون معنى سلبيا يعني أزال العوائق فحسب لا أنه خلق مشيئة )
والنص القرآني أثبت لله مشيئة وللعبد مشيئة في سياق واحد ولا يصلح أحدهما وجوديا حقيقيا والثاني مجاز
قال تعالى : وما تشاؤون إلا أن يشاء الله .
فالجبري نفى مشيئة العبد والقدري نفى مشيئة الله
في درء تعارض العقل والنقل :" نظير هذا قول من يقول من القدرية المعتزلة الشيعة ونحوهم: إن الله تعالى جعل العبد مختاراً، وخلقه مختاراً، إن شاء اختار هذا الفعل، وإن شاء اختار هذا الفعل، فهو يختار أحدهما باختياره.
فيقال لهم: هو جعله أهلاً للاختيار، وقابلاً للاختيار، وجائزاً منه الاختيار، وممكناً منه الاختيار، ونحو ذلك، أو جعله مختاراً لهذا الفعل على هذا؟. فإن قالوا بالأول قيل لهم: فوجود اختيار هذا الفعل دون هذا لا بد له من سبب، وإذا كان العبد قابلا لهذا ولهذا، فوجود أحد الاختيارين دون الآخر لا بد له من سبب أوجبه.
وإن قالوا بالثاني أعترفوا بالحق، وأن ما فيه من أختيار الفعل المعين هو من الله تعالى، كما قال سبحانه {لمن شاء منكم أن يستقيم * وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين} .
ولهذا إذا حقق القول عليهم وقيل لهم: فهذا الاختيار الحادث الذي كان به هذا الفعل، وهو إرادة العبد الحادثة، من المحدث لها؟"
ركز على كلام الشيخ الأخير ( من المحدث لها ) لأنهم إن أقروا بوجودها وإحداث الله لها فإنه يسقط مذهبهم في خلق أفعال العباد ويلزمهم القول أن آدم خلق أولاده
غير أن هناك مشكلة تقف لهذا الباحث ألا وهي أن وجود إرادة وجودية خلقت مع العبد قبل الفعل ينافي قوله في نفي المعارف القبلية بل أنسب شيء لقوله قول المعتزلة أن العبد دخل الدنيا ورقة بيضاء
قال ابن تيمية في درء التعارض : هذا القائل إن أراد بهذا القول أنهم خلقوا خالين من المعرفة والإنكار، من غير أن تكون الفطرة تقتضي واحدا منهما، بل يكون القلب كاللوح الذي يقبل كتابة الإيمان وكتابة الكفر( هذا مثال الورقة البيضاء الذي يطرحه نفاة المعرفة القبلية ) ، وليس هو لأحدهما أقبل منه للآخر، وهذا هو الذي يشعر به ظاهر الكلام - فهذا قول فاسد.
إلى أن قال : والله تعالى يقول: {فأقم وجهك للدين حنيفا فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله} ، فأمره بلزوم فطرته التي فطر الناس عليها، فكيف لا يكون فيها مدح ولا ذم؟.