نشوان الحميري يثبت حجة أهل الحديث من حيث لا يشعر
نشوان الحميري يثبت حجة أهل الحديث من حيث لا يشعر
قال نشوان بن سعيد الحميرى اليمني (المتوفى: ٥٧٣هـ) في كتابه شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم (٣/ ١٤٥٢): "و [الحَشْوِيَّة]: إِحدى فرق الإِسلام، وهي المعتزلة، والشيعة، والمرجئة، والمجبِّرة، والخوارج.
والحشْوية هذه أصل فرق الإِسلام، ثم تفرقت كل فرقة منها فرقًا؛ وإِنما سميت الحشوية لكثرة روايتها للأخبار، وقبولها ما ورد عليها من غير إِنكار".
أقول: نشوان بن سعيد الحميري هذا من علماء المعتزلة وكتابه هذا يُعدُّ مرجعًا هامًّا في مقالاتهم، مع أنه كتاب لغوي ولكنه لا يكتفي بشرح معاني الألفاظ، بل يذكر كل فائدة فقهية وعقدية متعلقة بهذه الألفاظ، ويحكي خلاف الناس، فيذكر مذاهب أهل الحديث وأهل الرأي والمعتزلة والزيدية والإمامية، لهذا تضخم كتابه، وقد طُبع ١١ جزءًا.
جاء في الأعلام للزركلي: "نشوان بن سعيد الحميري، أبو سعيد، أو أبو الحسن، من نسل حسان ذي مراثد من ملوك حمير: قاض، علامة. باللغة والأدب. من أهل بلدة "حوث" من بلاد حاشد، شمالي صنعاء. قال القفطي: كان يفضل قومه اليمنيين على الحجازيين ويفاخر عدنان بقحطان وله في ذلك نقائض مع الأشراف القاسمية أولاد الإمام القاسم ابن علي العياني. وقال ياقوت (في معجم البلدان) ما مؤداه: استولى على عدة قلاع وحصون في جبل "صبر" المطلّ على قلعة تعز، حتى صار ملكا" ثم ذكر مؤلفاته.
فالرجل له وزن ثقيل في مذهب الاعتزال والمشاركة في عموم العلوم، فاعترافه هام.
ولكن أين الاعتراف في كلامه؟
الجواب: هو يقول إن الحشوية أصل فرق الإسلام، يعني أنهم أقدم الفرق، ويعني بالحشوية أهل الحديث، فهو عرَّفهم بقبول الأخبار، ومعلوم أن المعتزلة لا يقبلون الصفات، والإمامية لا يقبلون فضائل الصحابة، والخوارج وُجد منهم من يرد أخبارًا، خصوصًا المذكور في الشفاعة، ويزعمون أنه يعارض القرآن.
وقال أبو حاتم:
"علامة أهل البدع الوقيعة في أهل الأثر.
وعلامة الجهمية أن يسموا أهل السنة مشبهة ونابتة.
وعلامة القدرية أن يسموا أهل السنة مجبرة.
وعلامة الزنادقة أن يسموا أهل السنة حشوية.
يريدون بذلك إبطال الآثار".
وقد اتفق الناس على أن الخلافيات في العقيدة فيها حق وباطل وناجٍ وهالك، وقد سلم لنا الحميري بأن عامة الفرق أحدثت بعد من سماهم الحشوية.
وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: "وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة".
وفي حديث الحوض: "إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك".
وفي أثر ابن مسعود الذي رواه الدارمي: قال ابن مسعود رضي الله عنه: «عليكم بالعلم قبل أن يقبض، وقبضه أن يذهب بأصحابه، عليكم بالعلم، فإن أحدكم لا يدري متى يفتقر إليه أو يفتقر إلى ما عنده، إنكم ستجدون أقواما يزعمون أنهم يدعونكم إلى كتاب الله وقد نبذوه وراء ظهورهم فعليكم بالعلم، وإياكم والتبدع، وإياكم والتنطع، وإياكم والتعمق، وعليكم بالعتيق».
تأمَّل قوله: "وعليكم بالعتيق" هذا هو مضمون حديث الافتراق أيضًا. وقول الحميري أنهم يقبلون الأخبار، فهم لا يقبلونها مطلقًا بل يُعمِلون الجرح والتعديل ونقد الأئمة، فإذا صح الخبر قبلوه ولم يُقدِّموا عليه رأيًا ولا فلسفة، وهؤلاء هم أولى الناس بالنبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة.