كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

أَنكِره على الإمام أحمد كما أنكرتَه على ابن تيمية!

المصدر
أَنكِره على الإمام أحمد كما أنكرتَه على ابن تيمية! كنت قد علقت في شهر رمضان المنصرم على أحد أدعياء الحنبلية يشنِّع على شيخ الإسلام ابن تيمية بأنه قال إنه لا يعلم خلافًا في مسألة أفضلية التسوك باليسرى. فعلق متعجبًا أن هناك خلافًا معروفا بين المذهبيين في هذه القضية. فشرحت له في صوتية أسميتها (سواك ابن تيمية) أن النقد لا يتجه للشيخ لأنه قال بالنص: الأفضل أن يستاك باليسرى: نصَّ عليه الإمام أحمد في رواية ابن منصور الكوسج ذكره عنه في مسائله وما علمنا أحدًا من الأئمة خالف في ذلك. فنصُّه واضح، كان يتكلم عن (الأئمة) يعني المجتهدين المتبوعين، وهؤلاء فعلًا لا يوجد عن أي أحد منهم نص يخالف كلام أحمد. وهذا مسلك مشهور معروف، وهو أن يتكلم العالم عن اتفاق طبقة متقدمة ليُلزم المتأخرين الذين اختلفوا في طبقات بعدها. وقد وقع ذلك لأحمد ابن حنبل شخصيًّا. قال ابن قدامة المقدسي في المغني وهو يتكلم عن مسألة صيد الكلب الأسود: "وممن كره صيده الحسن، والنخعي، وقتادة، وإسحاق. قال أحمد: «ما أعرف أحدًا يرخص فيه»، يعني من السلف. وأباح صيده أبو حنيفة، ومالك، والشافعي". أقول: فتأمَّل كيف أن أحمد يقول: "ما أعرف أحدًا يرخص فيه"، وقد رخَّص فيه مالك وأبو حنيفة والشافعي! فهل أحمد يجهل أقوالهم؟ الجواب: لا، ولكن أحمد عَنَى من التابعين، لهذا فسَّر ابن قدامة قوله فقال "يعني من السلف". ونصُّ أحمد شبيه جدًّا بنصِّ ابن تيمية، بل نصُّ ابن تيمية أوضح في مقصوده، فكما قال ابن قدامة "يعني من السلف" في كلام أحمد وانتهى الإشكال، فقُل في كلام ابن تيمية (يعني من الأئمة المجتهدين) أو (يعني من معاصري أحمد ومن قبله) وينتهي الإشكال. وحقيقةً دعاةُ التمذهب على الطريقة المتأخرة عندهم إشكالات كثيرة، مثل خلطهم بين معتمد المذهب عند المتأخرين ومطلق المذهب، فالخروج عن المعتمد عند المتأخرين خروج عن المذهب عندهم. وخلطهم أيضًا بين مخالفة مشهور المذاهب الأربعة ومخالفة الإجماع. وخلطهم بين نص إمام المذهب واجتهادات منتسبين إليه، إلى درجة أنك إذا قرأت لهم أوهموك أن بعض اجتهادات المذهبيين في القرن الثامن في بعض المذاهب هي نصوص الإمام وكل أصحابه، والواقع أنها اجتهادٌ وتخريجٌ لبعض المتأخرين، وبعضهم يكون أخذها من مذهب آخر. غير الخلط بين من يُعتد به ومن لا يُعتد به في الوفاق والخلاف، وهذا يقع لبعض غير المذهبيين أيضًا، خصوصًا متتبعي الرخص، إذ ينقضون الاتفاقات القديمة بكلام بعض المتأخرين. هذا مع تأصيل كثير منهم عدم الإنكار على المذاهب الأخرى مطلقًا مهما كان قولهم ضعيفًا، وهذا يخالف مسالك عامة الأئمة. وحقيقةً مع هذه العيوب لا أجد هذه الظاهرة مؤهَّلة لإصلاح عيوب الدرس الفقهي، بل هي تزيل عيوبًا لتضع مكانها أخرى.