كشّاف أبي جعفر

من السؤال إلى موضع الجواب

تخطَّ إلى المحتوى
كشّاف أبي جعفر
المقالات مقالة

لكي نفهم ما يحدث !

المصدر
لكي نفهم ما يحدث ! تصور أن قوماً من المسلمين ذهبوا ليجاهدوا العدو وانتصروا على هذا العدو وكسروه وجاءوا بأسرى من هؤلاء الأعداء إلى بلادنا ثم ما لبثنا أن وجدنا هؤلاء الأسرى تحرروا ووصلوا إلى مراتب عليا في البلاد واستطاعوا أن يغيروا الثقافة الإسلامية إلى ثقافتهم أو إلى ثقافة مزيج بين الأمرين ، لا شك أننا سننظر إلى ذلك الانتصار على أنه بداية الهزيمة الثقافية وأنه لم يكن انتصاراً حقيقياً ، خصوصاً وأن الحروب فرع عن التمايز بين الأمم وهذا التمايز هو أساس التنافس والتنافس أساس الإبداع وفلسفة الحرب مبنية على أن تفيد الأمة الفلانية على حساب الأمة الأخرى ولو بدفع عاديتها عنك فإذا ذهب الأساس الذي بنيت عليه الأمة لم يعد للنصر في الحرب معنى ولكن هل ترى هذا المثال بعيد الوقوع ؟ اليمين المتطرف في الغرب لا يتفقون معك إن كنت ترى ذلك ، الغرب حين بدأوا يغزون العالم بحروب صليبية ثم امبريالية على قدر ما حققوا من مكاسب مادية على قدر ما تعرضوا لتحديات ثقافية عظيمة هذه التحديات أسقطت الكنيسة عن سلطتها القديمة وحل محلها أفكار كثيرة بعضها سقط كالنازية والفاشية والاشتراكية وبعضها لا يزال قائماً ولكن ميزة كل هذه الأفكار أنها غربية فلا زالت في سياق الأمة التي لها خصوصية تختلف عن الأمم الأخرى ، الرأسمالية وقع لها نحو مما للكنيسة في سوء تقديرها لعواقب التوسع الصليبي عليها ، حيث أن الرأسمالية بالغت في إقحام الناس في عجلة العمل وإخراج المرأة للعمل مع التوحش والشح مما أدى في الدول الأوروبية إلى قلة معدلات الإنجاب وصارت المؤسسات الرأسمالية بحاجة إلى عمالة فمع تضخمها وقلة معدلات الإنجاب سينتهي الأمر إلى العجز وعدم المقدرة على التوفية بالمتطلبات بل قد يصبح كبار السن الذين بحاجة إلى رعاية أكثر من الجيل العامل وهذا يثقل كاهل المؤسسة الرأسمالية فكان الحل المتاح السماح بقبول الهجرات وهنا بدأت مخاوف اليمين المتطرف من أن هؤلاء المهاجرين يفعلون بهم فعل الأسرى في المثال الذي ذكرته في بداية الكلام ، خصوصاً مع كون المسلمين ينجبون كثيراً ، وأما اليسار فليسوا سذجاً ولكنهم راهنوا على تحويل هؤلاء المهاجرين خصوصاً من المسلمين إلى حال لا تناقض الثقافة الغربية سواء بصورتها المسيحية أو العالمانية أو المزيج بينهما وبالتالي لا تهدد وجود هذه الثقافة ، وأما أمر الإنجاب فهو فرع عن الثقافة الإسلامية المتعلقة بأمر العائلة وهذا سيتم تبديله مع مرور الوقت اليمين يرون أن اليسار حالمون وأن الأمر ليس بهذه البساطة ( عاش في المجتمع الغربي فتحول إلى غربي ) وأن الإسلام لا يشبه البوذية والهندوسية أو ديانات السكان الأصليين مما تغلبت عليها الثقافة الغربية ، بل الإسلام منظومة خطيرة على المنظومة الغربية وأنه حتى المسلم المعتدل هو مرشح لئن يكون مسلماً متطرفاً خطيراً على الثقافة الغربية لأن هذا التطرف ليس منبعه الإنسان المسلم بل نصوص الوحي الإسلامية هي المصدر الرئيسي لهذا غير أن اليسار ولأنهم لا يجدون بداً من قبول هؤلاء في المجتمع لاستمرارية المشروع الرأسمالي بنفس الدرجة من التوحش يعولون على أنهم قادرين على أن يأتوا بأنس يحرفون لهم الشريعة الإسلامية ويأتونهم بقراءات لها تناسب الثقافة الغربية ويحرصون دائماً على أن يصدروا مسوخاً من أبناء المسلمين الذين تعلمنوا ليؤكدوا لليمين على وجهة نظرهم وبدأوا بمشاريع الاندماج ومشاريع مسخ عقول أبناء المسلمين عن طريق المدارس ، وقد عمدوا إلى أصل الأمر فهم قرروا ألا ينتظروا حتى يأتيهم المسلم ويمسخوه بل قرروا أن يدعموا هذا المسخ في بلاد المسلمين بحيث يكون المسلم الذي يأتيهم إلى ديارهم قد تروض بأكبر قدر ممكن وقد يكون انمسخ بدرجة من الدرجات فإن كان ترك الإسلام من أصله فهذا جيد وإن كان بقي فيه بقية فينظر في قدرها ويتعامل معه هذه الممارسات ليست مستغربة بل المستغرب ألا توجد فكل أمة لها هوية عندها غيرة عليها ويكره الرؤوس في هذه الأمة أن تضيع هذه الهوية في أبنائها كما يكره الرجل أن ينسب أولاده إلى غيره وكما قلت في البداية التمايز أساس التنافس والتنافس أساس الإبداع وما سوى ذلك أفكار طوباوية محلقة لا مكان لها في الواقع ولا مكان لأهلها في الريادة ، وازدهار اليمين في الغرب يؤكد على أن كثيراً من الغربيين ما عاد يؤمن بجدوى المشروع اليساري وأن الغزو الثقافي الناعم ( والذي يستتبعه نتائج اقتصادية وسياسية ) قادم لا محالة وهذا يجعل اليسار يكثفون ضرباتهم في مشروع المسخ الثقافي ليستعيدوا جمهورهم وأما موقع المسلم من هذه الحرب فهو أن يثبت على دينه في أي مكان كان وألا يعرض نفسه لفتنة عظيمة أقصى ما يربحه من وراءها أن يكون ترساً في العجلة الرأسمالية والمتدين حقاً لا يتنازل عن أي ثابت من ثوابته ولو لقريب حميم فما بالك لعدو ولو كان يظهر البشاشة في وجهك فهو إنما يريد أن يحافظ على مكتسبات أجداده والتي تعرف جيداً كيف جاءوا بها